في ذكرى السنوية الأولى لوفات الأمير سردار بگ الجاف

حياة حافلة بالعطاء والمجد والتألق

قبل عام مضى ، وفي يوم 2005/7/20فجع أبناء شعبنا الكريم بوفات الأمير سرداربگ بن داود بگ بن فتاح بگ بن محمد پاشا الجاف الذي وافته المنية في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نقل اليها لغرض العلاج من المرض الشديد المفاجىء الذّي المّ به ولم يمهله طويلاً . وبوفاته فقدت أُ سرة بگزادة الجاف أحد ألمع أبنائها النُجباء وخسرت قبيلة الجاف الكبيرة المنتشرة في كردستان الجنوبية والشرقية أميرها النابغ وواحد من أبرز رؤسائها التاريخيين العظام وفقد أبناء شعبنا الكوردي والعراقى شخصية وطنية وقومية وعالية المقام والمعروفة على صعيد العالم أجمع .

ومن عرف أمير الجاف الراحل سرداربیگ من قرب وألم وأحاط بمواقفه ومبادراته المتميزة وخصاله وسجاياه النبيلة ومركزه الأجتماعي المرموق وسمعته الطيبة على صعيد الوطن والخارج ، سيدرك حتماً فداحة هذا المصاب الأليم وفي هذا الوقت بالذات ، وحجم الفراغ الكبير الذي تركه على صعيد أُسرته وقبيلته وشعبه وأُمته جميعاً .

وإحتفاءً منّا بالذكرى السنوية الأولى ورحيله الأبدي عن الدنيا وتعبيراً عن إخلاصنا ووفائنا بحق هذا الفقيد الغالي ، أميرنا وقرّة أعيننا سرداربگ الجاف ، رأينا من المناسب أن نخصص له في هذا المجال ، موضوعنا المتواضع هذا لعرض نبذة عن سيرته الوضادة وحياته الحافلة بالمآثر والمفاخر الرفيعة ، ويقيناً أن الراحل الكبير سردار بیگ يستحق منّا كل صنوف التذكير والتمجيد والثناء والعرفان دوماً .

ولد سردار بیگ بتاريخ 5/3/1937 في قرية كلار التابع الى قضاء كفري ضمن لواء كركوك ، حيث نشأ وترعرع في أحضان أسرته النبيلة وفي رعاية وإشراف والده الأمير داود بیگ الجاف بطل معركة ئاوباريك الشهيرة عام 1931 والنائب في المجلس النواب العراقي الملكي في تسعة دورات إنتخابية كاملة خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت فترّبى منذ نعومة أضافره على التقاليد والعادات الكوردية الأصيلة والخصال الحسنة ومحبة شعبه وأمته وقبيلته .

قضى سردار بیگ سنوات طفولته في قلب سهوب گه رمیان الدافئه وعند جدران وسور قلعة جده الأكبر محمد باشا الجاف ( قلعة شيروانه ) المطلّة على نهر سيروان البهي الخلاّب ، فتشبّع منذ بعبق تاريخ سلفه الأصيل ونسمات سيروان الندية العذبة وهامت نفسه بسحر أجواء گه رمیان وجمال سهوبها وبراريها الشاسعة وغزلانها الرشيقة الجميلة .

نال سردار بیگ تعليمه الأبتدائي في كلار وأكمل المتوسطة في كفري وخانقين ، بعدها الى بغداد ليواصل دراسته الأعدادية ويتقن هناك اللغة العربية ، ثم سافر الى لبنان لمواصلة تعليمه فقضى ردحاً من الزمن في بيروت . التحق سردار بیک بخدمة العلم عقب عودته من بيروت فخدم في لواء العشرين بإمرة الزعيم عبد الكريم القاسم ، فارتبط بعلاقات صداقة مع العديد من ضباط الجيش العراقي وآمريه .

وبعد ما تسلم الزعيم قاسم مقاليد الحكم في العراق ( بعد ثورة 14 تموز 1958 ) حظى أفراد أسرة بگزادة الجاف ( في البداية ) وفي مقدمتهم داود بیگ ونجله الأكبر سردار بیگ بالأحترام والتقديرمن لدّن قائد الثورة ( قاسم ) بيدأنِ أجواء الفوضى والتوتر والصراع التي سادت العراق عامة ، جعلت داود بیگ يفكر في مغادرة البلاد موقتاً لحين إستقرار الأوضاع فيها . وبعد أن تشاور مع نجله سردار بیگ في الموضوع طلب منه الأتصال بالحكومة الأيرانية بصدد إنتقالهم الى هناك ، فتم قبول طلبهم بكل رحابة صدر .

وهكذا عبرت أُسرة داود بیگ بسلام الى إيران ( عام 1959) على متن سيارتهم الاندروفر التي تولاّ قيادتها سردار بیگ وفي حماية أفراد مسلحين من قبيلتهم خاضوا معركة دموية شرسة مع قوات من الحرس القومي على الحدود حاولت التصدي لأسرة داود بیگ ومنعها من المرور .

 استوطنت أسرة داود بیگ في مدينة كرمانشاه القريبة من مناطق إستيطان الجاف الموجودين في إيران ( ما يسمون بـ جاف جوانرود  ) ، فيما أرسل سردار بیگ الى طهران لأكمال تعليمه العالي فى كلية الحقوق / جامعة طهران ، فعاش هناك تجربة غنية في حياته الزافره باجد والكدح وقدر له أن يتعرف على نخبة مناضلة من الطلبة الجامعين الكورد وغيرهم ويتعاون معهم .

كما قدر له في تلك الظروف اللقاء والأتصال بالعديد من القيادات والشخصيات الكوردية العراقية المعروفة ودراسة الأوضاع السياسية والعسكرية السائدة في كوردستان العراق عن كثب . نال سردار بیگ شهادة البكالوريوس في الحقوق من جامعة طهران ، ثم واصل تعليمه العالي هناك فنال شهادة الماجستير في العلوم السياسية بدرجة الشرف وكان موضوع رسالته عن القضية الكوردية .

عيّن سردار بیگ بوظيفة مستشار في شركة النفط الوطنية الأيرانية ، غير أن هذا المنصب لم يرق الى مستوى طموحه ، فنقل الى البلاط الملكي ( الشاهنشاهي ) حيث تقلد فيه بكفاءته ونبوغه مناصب إدارية و بروتوكولية رفيعة ، وإضافة الى مهامه الرسمية الهامة أهتم سردار بیگ إهتماماً خاصاً بأعمال الزراعة والصناعة فأقام بمشاركة إخوانه مؤسسات إنتاجية ، صناعية وزراعية ، ناجحة للغاية عدت من أفضل وأرقى المؤسسات الموجودة من نوعها في طول إيران وعرضها .

وإجمالاً أصبح منزل سردار بیگ في عاصمة طهران العاصمة وفي رعاية زوجته ورفيقة دربه المخلصة السيدة مريم خانم بنت الزعيم الشهيد ، القاضي محمد ، مأوى الضيوف والزوار وطالبي الحاجات على إنتمائاتهم وقومياتهم وشخصياتهم من داخل إيران وخارجها .

وبعد إنتكاسة ثورة أيلول المجيدة ( عام 1975 ) ، سخر سردار بیگ كل طاقاته وإمكاناته في سبيل نجدة أبناء شعبه الكوردي الاجئين الى إيران من قادة وكوادر ومقاتلي وجماهير تلك الثورة المغدورة الذين توزعوا في مخيمات سربيل زهاب وروانسر ... وغيرها . وقد تفقدة سردار بیگ وإخوته معسكرات اللاجئين في مختلف مناطق إيران وقدموا لساكنيها من أبناء جلدتهم ووطنهم كلّ ما يستطيعون من دعم وعون ،

 كما طالبوا الحكومة الايرانية بتوفير متطلبات هؤلاء الاجئين وتخفيف معاناتهم وحل مشاكلهم ، كما سخرّ سردار بیگ وإخوته مؤسسات المذكورة ( في خرم درة ) ، لتشغيل وتوطين العشرات من تلك العوائل المهجرة وتوفير العيش الكريم لها ، رغم تحفظ السلطات الأيرانية على ذلك .

كذلك زار سردار بیگ الزعيم الخالد البارزاني مصطفى مراراً قبل وأثناء مرضه الأخير وقد حث سيادته سردار بیگ على بذل كل ما يستطيع لمساعدة إخوته النازحين الى الأراضي الأيرانية . وفي عام 1979 وبسبب ما لاقاه سردار بیگ وإخوته وأقاربه من صنوف الغدر والتنكيل والظلم من لدن النظام الجديد في طهران (( حيث أُعدم أخوه سالار بیگ غدراً من قبل جلاوزة النظام الفاشي )) ، غادروا طهران وأقاموا وسط قبيلتهم غربي إيران وبدأوا من هناك بمعاداة ومقارعة السلطات الأيرانية .

ثمّ عادوا الى العراق يصحبهم الاف من أبناء قبيلتهم القاطنين في المناطق الغربية من إيران وغيرهم من العشائر المتحالفة معهم . وخلال أشهر قليلة وفق سردار بیگ فی تعبئة وإعداد قوة مسلحة قوامها سبعة الاف مقاتل ، فخاضوانضالاً مسلحاً دؤوباً ضد النظام الإيراني ووجهوا ضربات موجعة الى قواته وتجمعاته العسكرية في المناطق الحدودية ،

 كما بلغت نشاطاتهم وفعالياتهم العمق الإيرانية والعاصمة طهران احياناً ، وجنباً الى جنب نضاله العسكري المسلح ، بذل سردار بیگ نشاطاً سياسياً مكثفاً في السياق نفسه على الصعيدين الداخلي والخارجي ، لاسيما في أُوربا والولايات المتحدة ، فعرف كواحد من أبرز وأنشط قادة المعارضة الأيرانية في تلك الفترة .

وفي عام 1983 وبينما كانت الحرب العراقية - الإيرانية على أشدّ ها ،  طالبت السلطات العراقية التي كانت تتعرض الى ضغط داخلي شديد من فصائل ثوار الكورد  ( الپشمرگه ) ،  سردار بیگ بنقل مقاتليه الى قاطع قرداغ تمهيداً لإستخدامهم وفق مأربها ، فرفض سردار بیگ ذلك بحزم مؤكداً بأن مهمته مع مقاتليه تنحصر بالقتال ضد النظام الإيراني بإعتبارهم فصيلاً إيرانياً معارضاً ولن يرضوا بممارثة اي نشاط يتعارضوذلك النهج . وهكذا أجبر أنصار سردار بیگ على إلقاء السلاح وعلى الإنتقال مع عوائلهم الى معسكرات الاجئين في رمادي والحلة ليلاقوا البؤس والحرمان ، فيما استقر هو وإخوته في بغداد .

بعدئذ كرّس سردار بیگ الكثير من الوقت والجهد لممارثة الأعمال التجارية والأقتصادية الخاصة الى جانب نشاطاته الأجتماعية الواسعة فحقق نجاحاً باهراً على هذا الصعيد وذلك برغم كل المضايقات والعراقيل التي عمد بعض أركان النظام البائد على خلقها ضده والحاق أفدح الخسائر المادية بمشاريعه وأعماله ، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام المدحور . كما تعرض إخوته وأقاربه الى الملاحقات والمضايقات وأوامر السجن الصادر بحقهم بشتّى الأعذار ، فهاجر بعضهم الى الخارج الوطن ولجأ بعضهم الأخرى الى كوردستان المحررة .

ورغم تلك الظروف والوقائع الصعبة التي واجهت سردار بیگ ، فأنه ظل دوماً رابط الجأش ، صابراً ، متجلداً ، محتفظاً بمهابته  كواحد من المع رؤساء قبيلة الجاف على مرّ تاريخها الطويل وكشخصية كوردية وعراقية وعالمية مرموقة أمتازت بقدر كبير من الرزانة والهدوء ورجاحة العقل والسماحة والجرأة والسخاء وحلاوةالمعشر، فضلاً عن ثقافتها الواسعة وأسلوب حواره الهادئ المقنع الطيف واجادته التامة للغات العربية والفارسية والإنكليزية إضافة الى لغة الأم ,

كان تحرير العراق عام 2003 دافعاً قوياً وفرصة تاريخية كبرى للأمير سردار بیگ كي يوظف كل طاقاته وإمكاناته المادية والمعنوية لخدمة شعبه الكوردي عامة وقبيلته الجاف خاصة ، فقد أنهمك بالعمل بكل قواه كي يجعل قبيلته تتبوأمكانتها الأئقة على صعيد الواقع الأجتماعي والسياسي والأقتصادي والثقافي في كوردستان و العراق  وبما تقتضيه المرحلة الجديدة .

ومن هذا المنطلق بادر سردار بیگ وإعتماداً على إمكاناته الشخصية ، الى عقد مؤتمر قبيلة الجاف والعشائر المتحالفة معها في أربيل ، عاصمة إقليم كوردستان بتاريخ 2004/10/2وقد حضره الى جانب ممثل الرئيس البارزاني عدد كبير من الشخصيات الحزبية والإدارية والإجتماعية المعروفة والألوف من أبناء الجاف وسواهم من مختلف مناطق كوردستان و العراق .

وبعد إنتهاء هذا المؤتمر الناجح والمشهور مباشرة ، أُصيب سردار بیگ بمرض شديد مفاجئ ، فسافر بصحبة أفراد أسرته الكريمة الى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض العلاج ( في غضون بضعة أسابيع ) ، لكن قدرة الباري شادت أن يفارق الحياة في هناك في 20/7/2005 حيث كان يعالج ، فأعيد جثمانه بطائرة خاصة الى مطار السليمانية حيث أستقبل إستقبالاً شعبياً ورسمياً مشهوداً وكان على رأس مستقبليه ممثلي السيدين جلال الطالباني ، رئيس جمهورية العراق و مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان .

ثم نقل نعش الفقيد في موكب مهيب الى كلار حيث ورى الثرى في أرض الأباء والأجداد ، وأقيمت له مراسيم عزاء لائقة وتوالت بالمناسبة برقيات التعازي وعبارات الحداد والتأبين من كل حدب وصوب . وهكذا رحل أميرنا وقدوتنا سردار بیگ الى مئواه الأخير وفي وقت كنا أجوع مانكون اليه ، لكن عزاءنا هو أن سردار بیگ سيبقى خالداً فى نفوسنا وقلوبنا بسجاياه وأفضاله وذكرياته الطيبه ، وأن أفراد أسرته الكريمه وعلى رأسهم نجله كاكه سيروان ، وفقه الله ، سيواصلون نهجه القويم الخالد  .....

    

مزار الأمير سردار