|
أنجبت قبيلة الجاف وعلى مر تاريخها الطويل العديد من علماء الدين الأفاضل
والشعراء والكتاب والمثقفين اللامعين الذين أسدوا خدمات عظيمة الى التراث
الفكري والأدبي والروحي والثقافي لامتهم وأغنوها بنتاجاتهم وعطائاتهم
الإبداعية الخالدة ، وكما ان العديد منهم خدموا الى جانب تراث أمتهم ،
التراث الفكري الإسلامي ولغة وثقافة غيرهم من الامم المجاورة من عربية
وفارسية وتركية
وإجمالا فقد نبغ وتألق في وسط قبيلة الجاف بعشائرها وأفخاذها المختلفة
علماء دين مبدعون وشعراء فطاحل وكتاب ومؤرخون وباحثون وصحفيون بارزون وتشهد
لهم نتاجاتهم وآثارهم الإبداعية على باعهم الطويل في تراث أمتهم وشعبهم
العلمي والثقافي والأدبي ، فنشير من بينهم
على سبيل المثال لا الحصر الى :- العلامة الكبير
ابن الصلاح الشهرزوري والمرشد والعلامة الشهير مولانا خالد النقشبندي
والعلامة الباحث الكبير الملا عبد الكريم المدرس والشعراء :- لزا خانم
الجاف (( شاعرة )) ، عيل بگي
جاف ، خاناي قبادي ، نالي ، مولوي ، ولي ديوانه ، واحمد مختار الجاف ، عبد
الله گوران ، طاهربگ الجاف ،
مينه جاف (( محمد أمين بگ
بن كريم بگ )) ، نبرد
الجاف والصحفي والكاتب المعروف محمد سعيد بگ
والكاتب حسن فهمي الجاف والاديب الروائي خسرو الجاف والمؤرخ والباحث د. حسن
الجاف. (( وهذان
الأخيران ما يزالان يواصلان عطائاتهما ونتمنى لهما العمر
المديد والصحة والعافية )) .. وغيرهم .
وسنحاول في سياق موضوعنا هذا التعريف بنخبة من هؤلاء المبدعين ، مع الإسهاب
والإفاضة في سير وعطائات ومآثر أربعة منهم (( نالي ، باعتباره احد أعظم
شعراء الكورد قاطبة ، ومولوي الشاعر الوجداني والصوفي العظيم ، واحمد مختار
الجاف الشاعر القومي الغيور ، وگوران الشاعر الحداثوي الأبرز في الادب
الكوردي والملا عبد الكريم المدرس العلامة الفقيه والباحث الجليل )) .
ولاشك ان الوقوف على عطائات ومآثر هذه النخبة المبدعة سيثبت بجلاء إسهام
الجاف الفاعل في أغناء وازدهار تراث أمتهم الروحي والأدبي والفكري كثيرا .
*العلامة ابن الصلاح الشهرزوري
ولد هذا العالم الجليل المنسوب الى نخبة
العلماء الكورد الكبار الذين عرفوا عند أقرانهم العلماء والباحثين العرب
بالعلماء الشهرزورية ، ولد عام 577 هـ بشهرزور مهد العلماء والفقهاء الإجلاء
في التاريخ الإسلامي . ولما يفع انتقل في سبيل العلم بين الموصل وبغداد
وخراسان ، ثم استقر أخيرا في الشام فتوفي عام 643 هـ بمدينة دمشق تاركا من
بعده كتابه القيم في علم الحديث (( مقدمة ابن الصلاح )) والعديد من
المخطوطات القيمة الأخرى
، وقد طبع كتابه المذكور في الهند ومصر والشام .
*العلامة المرشد مولانا خالد النقشبندي

الشيخ ضياء الدين خالد بن احمد
بن حسين الملقب بـ ملانا خالد النقشبندي ومؤسس الطريقة الصوفية النقشبندية
في كوردستان الجنوبية وجوارها حتى الأناضول وايران والشام ، ولد 1193 في
قره داغ في أحضان اسرة دينية مرموقة من عشيرة الميكائيلي (( الجاف)) ونال
تحصيله العلمي الأولي ولدى والده وعلماء منطقته .
ثم جاب مختلف مناطق
كوردستان في سبيل العلم والدراسة حتى نال الإجازة العلمية على يد العلامة
الشيخ محمد قسيم رئيس العلماء في سنه (( سنندج )) بعدئذ مارس التدريس في
السليمانية الى ان حج بيت الله العزيز عام 1220 هـ وهناك كما قيل ، اخذ
البشارة من بعض الصالحين بأنه سيبلغ مقاما كبيرا في رعاية مرشد جليل ،
فعاد
الى السليمانية حيث انهمك بالتدريس مجددا الى ان التقى ذات يوم بشخص اسمه
مرزا رحيم مبعوث شيخ عبد الله دلهي ، فشوقه المذكور للسفر معه الى الهند
ومقابلة شيخه هناك وهكذا سافر الاثنان عام 1222 هـ الى الهند ، فقابل
المرشد عبد الله دلهي فنال عنده إجازة الطريقة النقشبندية واصبح من مرشديها
البارزين .
وبعد عم ، عاد الى كوردستان الشرقية فاقام في سنندج منهمكا بنشر آداب
طريقته النقشبندية فادخل أستاذه الشيخ محمد قسيم فيها ، ولما عاد هب الناس
لاستقباله وتعظيمه وإتباع نهجه الصوفي السديد . ثم سافر بناء على توجيهات
مرشده (( الشيخ عبد الله دلهي )) الى بغداد لزيارة الحضرة الگيلانية
ٍالشريفة فبقى هناك ستة اشهر
عاد بعدها الى السليمانية مواصلا نشر طريقته
، لكنه مالبث ان غادر الى بغداد مجددا بسبب تذمره من الوضع السائد في
السليمانية فاستقر هناك في تكيته المعروفة بالخالدية مستمرا بالإرشاد
والتدريس ثم عاد مجددا الى السليمانية بناء على الحاح ورجاء الامير محمود
پاشا الباباني الذي شيد له التكية المعروفة بـ (( خانقاه مولانا خالد )) في
السليمانية ووقف لها قرى وأملاكا واسعة .
واصل مولانا خالد تحقيق نجاحاته الكبيرة في مجال الوعظ والإرشاد والتدريس
في السليمانية وتعاظمت أعداد مريديه وأتباعه كثيرا حتى توترت العلاقة بين
أهل هذه الطريقة والطريقة الأخرى (( القادرية )) ، فساهم ذلك في زيادة توتر
الوضع المضطرب أصلا في السليمانية ، وبفعل ذلك عاد مولانا الى بغداد مرة
اخرى عام 1238 هـ وأرسل وكيله الشيخ احمد هوليري الى الشام لنشر طريقته
هناك ، فاستقر في دمشق مرشدا وعالما نابغا .
ثم زار مولانا بيت المقدس وحج ثانية وزار قبر الرسول (( صلى الله عليه وسلم
)) ، فعاد الى الشام حيث وافاه الاجل الموعود عام 1246 هـ تاركا من بعده
مؤلفاته وآثاره الكثيرة في اللغة والادب والعقائد والتصوف والفقه ومنظوماته
الشعرية بالعربية والكوردية والفارسية .
* الشاعرة لزا خانم الجاف

قيل ان الشاعرة لزا خانم الجاف عاشت في القرن
الخامس الهجري بمنطقة شهرزور واتسمت بجمالها وصوتها الشجي ومهارتها في
العزف ، وبأنها زاهدة متصوفة من أتباع مذهب (( يارسان – أهل الحق )) وتركت
في هذا السبيل منطقتها شهرزور الى منطقة لرستان في غرب ايران وسكنت قرية ((
عه ينه )) قرب مدينة خرم آباد مركز محافظة لرستان
.
الشاعر
عيل بگي جاف

ان المعلومات المتيسرة عن هذا الشاعر المعروف لا
تتجاوز نطاق بعض الشذرات المتفرقة التي نقلت شفاها من جيل الى جيل اخر ،
وهذه الشذرات تختلف وتتناقض فيما بينها أحيانا فيما يخص عصر الشاعر وبيئته
والعصر الذي نشأ فيه . فبعضهم أشار الى انه عاش خلال أعوام (( 898-941 هـ
)) في إطراف شهرزور ونهر سيروان ، والبعض الاخر أفاد بأنه نشأ وعاش في قرية
(( شله وزالوب )) بمنطقة سنجابي في محافظة كرمانشاه الايرانية في عصر آخر
ثم رحل في شبابه الى منطقة هورامان (( اورامانات )) وتزوج هناك .
لكن الثابت ان عيل
بگي جاف كان من أتباع ومتصوفة طريقة أهل الحق وقد عرف
بحدسه الصائب وبعد نظره وتنبؤاته وتوقعاته المدهشة الصائبة لوقوع العديد من
الأحداث والمعارك والكوارث وتحقيق الكثير من المنجزات العلمية الهامة التي
اشار اليها في سياق اشعاره الذائعة (( هه روابووه وهه ر وائه بى)) أي ((
هكذا كان وهكذا سيكون )) حيث تنبأ على سبيل المثال باختراع التلگراف
والتلفون والسيارة والطائرة وبمجيئ القاجاريين للحكم في ايران وبوقوع الحرب
العالمية واحتلال ايران من قبل الروس والبريطانيين وغيرها .
*الشاعر خاناي
قبادي

عاش الأديب والشاعر خاناي قبادي خلال الفترة ((
1700- 1759)) وهو صاحب القصة الشعرية الذائعة خسرو وشيرين المنظومة
بالكوردية عام 1153هـ والتي اقتبسها من المنظومة الفارسية للشاعر نظامي ((
وبنفس الاسم )) وتتميز منظومة قبادي عن سابقتها للشاعر الكبير نظامي بأنها
أكثر بلاغة وتعبيرا .
*الشاعر ولي ديوانه

ولد الشاعر الشهير (( ولي ديوانه )) في سنة غير
معروفة بالظبط ، لكن الثابت انه عاش ومات في القرن الثامن عشر(( وانه كان
على قيد الحياة عام 1756 م تحديدا )) . عشق هذا الشاعر الرقيق ، شمسه بنت
قادر شيروان (( وهي ابنة رئيس احد أفخاذ عشيرة الشاعر الكماله يى/ من فروع
الجاف )) ، فهام بها غراما ووجدا وأبدع في حبها والتغزل بها قصائدا غاية في
الروعة والعذوبة ، حتى غدا حبه لحبيبته المعروفة (( شم )) اختصارا وتحببا
في مستوى حب مجنون وليلى ، شيرين وفرهاد ، مم وزين ....
كان ولي ديوانه اكبر ابناء والده حمه سور الميسور الحال الذي كان حريصا على
سعادة ابنه فأرسل وجهاء العشيرة الى والد (( شم )) لطلب يدها للشاعر
الولهان ، وتم قبول الطلب .
ولكن لسوء حظ الشاعر، نشب خلاف بين أهله وأهل حبيبته في مضيق (( كه لي
پيکولي )) بدء الهجرة الصيفية للجاف الى مناطق كويستان الباردة ، فحرم
الحبيبان من الوصال ، وظل الشاعر يكابد عذاب الظروف وينظم أشعار الحب
والوجد الى ان فارق الحياة .
*طاهر بگ الجاف

ولد الشاعر الكلاسيكي النابغ طاهر
بگ بن عثمان پااشا بن
محمد پاشا الجاف عام 1875 في مدينة حلبجة حيث نشأ وتعلم ونبغ في ظل والده
الكريم ووالدته النابغة عادله خان ، فتوفرت له حياة هانئة ورغيدة وفرص
الاحتكاك بالعلماء والأدباء والشعراء والساسة والوجهاء وقضى في شبابه حياة
حافلة بالأنس والطرب والمجالس الشعرية
ونظم قصائد كلاسيكية رائعة (( لاسيما
في ميدان الغزل )) تعد من أجمل كلاسيكيات الشعر الكوردي التي تقطر حلاوة
وعذوبة ، وتعلم الفارسية والفرنسية ، تحول طاهر
بگ في اواخر حياته الى
عالم الزهد والتصوف فتوفي في السليمانية عام 1917 عن عمر ناهز الـ 42 عاما
فدفن في مقبرة عبابيلي القريبة من حلبجة .
الشاعر
مينه الجاف
صوت
گرميان الصادق

سيرته:
ولد شاعرنا مينه الجاف (( مينه تصغير لإسم محمد أمين )) . واسمه الكامل هو
محمد أمين بگ بن كريم بگ
بن فتاح بگ بن محمد پاشا الجاف ، عام 1911 في
قلعة شيروانة العتيدة المطلة على نهر سيروان الخالد أسفل بلدة كلار الحالية
والتي شيدها جده الاكبر (( محمد پاشا )) في حدود عام (( 1283هـ)) كي تكون
محل إقامة أسرته في مضارب گرميان ورمزا لهيبة ونفوذ قبيلته الرحالة
المعروفة على صعيد العراق وإيران وأرجائهما المجاورة ..
ظل مينه الجاف منذ صغره ، وعلى دأب أفراد أسرته العريقة ، مصاحبا لقبيلته
في حلها وترحالها الموسميين بين ربوع گرميان الدافئة شتاءً ، وأطراف پنجوين
وجوارها داخل كوردستان إيران صيفا ، وظل كذلك لحين استقرار أسرته النهائي
في قصبة كلار الفتية المزدهرة إبان عقد العشرينات من القرن الفائت ، و التي
صارت في ظل والده الأمير الشهم كريم بكَ المركز الرئيسي لرئاسة قبيلته
الذائعة .
نال مينه الجاف تعليمه الإسلامي في جامع كلار وعند العالمين الدينيين الملا
محيي الدين والملا أحمد كلاري ثم بذل من جانبه جهودا كبيرة للغاية في مجال
تنمية ثقافته الذاتية ومؤهلاته الفكرية ، وتطوير موهبته الأدبية والشعرية
الاصيلة التي نمت لديه مبكرا ، مستفيدا في هذا السياق من بيئة أسرته
المتنورة بالعلم والدين والأدب والشعر ،
إذ كان والده على دأب أسلافه
من أمراء الجاف النابغين ، حريصا على الثقافة والعلم عموما ، ذواقا للشعر
خصوصا فكان مضيفه الواسع في كلار يعج غالبا بالمفكرين والمثقفين وعلماء
الدين و الأدباء والشعراء الذين قدر لشاعرنا التعرف عليهم والإلمام
بمؤهلاتهم السخية .
وإضافة إلى تأثير والده ومجلسه العامر عليه ، في مجال صقل موهبته الشعرية
وملكته الثقافية ، فقد كان لعميه محمد بگ ورضا بگ اثرهما البين والفعال
عليه في هذا السياق أيضا ، حيث نصحاه وشجعاه دوما بصدد تعزيز وأغناء مقدرته
الشعرية الواعدة بالكثير من السعي العلمي والثقافي والفكري الدؤوب ،
ولم
يخيب هو من جانبه ظنهما الحسن به ، فواظب على إغناء معلوماته ومعارفه
السابقة بالمزيد من مكاسبه الأدبية والثقافية التي حققها بإصرار مدهش
وعزيمة لا تلين ، وأفلح في تعلم العربية والتركية والفارسية التي تعمق ونبغ
فيها بشكل خاص وعلى خطى سابقيه من الشعراء المعروفين .
وعلى صعيد مزاياه وسجاياه الشخصية والاجتماعية فان مينه الجاف الذي تربى
على تقاليد قبيلته الكوردية الاصيلة وورث عن والده خلقه الرفيع تميز بجوده
وورعه الكبيرين ، وبشجاعته وفروسيته وأمانته وفطنته وطيبة وصفاء سريرته
وإستقامة ورقة قلبه وعذوبة مشاعره ...
ومن المواقف والأحداث الهامة التي حفلت بها حياته العامرة بالعطاء والكدح
والكفاح نذكر وقفته الشجاعة مع والده وعمه المقدام داود بگ في معركة (( ئاو
باريك )) ضمن حدود (( گل )) التابعة لطوز خورماتو ، تلك الواقعة المشهودة
التي دارت في ربيع عام 1931 واستبسل فيها فرسان الجاف بقيادة كريم بگ جنبا
إلى جنب الشيخ الحفيد ورفاقه وأنصاره المتواجدين معه ،
والذين فوتوا معا
بصمودهم وإقدامهم المدهشين ، على القوات الحكومية المدعومة جوا من الطائرات
البريطانية ، فرصة أسرهم وإبادتهم رغم تفوق العدو الكبير في العدة والعدد
وامتلاكه لعنصر المباغتة في تلك المعركة الدامية غير المتكافئة أصلا .
كما نشير أيضا إلى مرحلة هامة أخرى من حياة مينه الجاف وهو ما يزال شابا
تمثلت بأنتقاله مع والدته (( دورسن خان )) وشقيقته العزيزة (( حبيبه خان ))
إلى قرية (( گوبان )) الواقعة على مبعدة بضعة كيلو مترات من كلار
واستقرارهم فيها ، حيث شرع شاعرنا هناك بتدبير معيشة أسرته والانهماك في
النشاط الزراعي من جهة ، والاستمرار في نظم الشعر ورفد مجلة (( گلاويژ ))
بالعديد من نتاجاته الشعرية من جهة أخرى ،
كما ظل
حريصا على اقتناء المطبوعات الكوردية ولا سيما الصحف والمجلات منها
ومطالعتها بشغف ، وقد خصص ركنا من مضيفه الأنيق لحفظ الكتب والمطبوعات
الموجودة لديه . ثم استمر مواظبا على عطائه ونهجه القويم في الحياة ، إلى
أن توفي في بغداد عام 1965 ودفن في مقبرة العائلة عند سيد خليل قرب كلار .
مسيرته
الشعرية ونماذج من شعره :
تأثر مينه الجاف على صعيد تجربته الشعرية والابداعية بعدد من الشعراء
البارزين الذين سبقوه في هذا المضمار فاستفاد من تجاربهم وأساليبهم الشعرية
المتنوعة في تحقيق مكانته الأدبية التي بلغها والجهد والاصرار المتواصلين
ومنهم :- مولوي ، الشيخ رضا الطالباني ، ناري ، مصطفى بگ كوردي ، السيد
فتاح الجباري ، پيره ميرد الذي كان شاعرنا معجبا بفكره النير وحكمته وعلمه
الغزير ومثمنا لموقفه ازاء قبيلة الجاف وأسرتها الحاكمة .
كما عرف مينه الجاف بمبادلاته الشعرية مع عدد من شعراء عصره وتأثره وإعجابه
بهم وأرتبط بعلاقات صداقة خاصة مع الشعراء :- الشيخ سلام ، ئه خول ، أحمد
مختار الجاف ، بيكه س الذي افتتن (( أي مينه )) باسلوب شعره الوطني والقومي
وأتبعه في قصائده ومنظوماته الكثيرة المكرسة لهذا الغرض .
إن المتأمل لقصائد وأشعار مينه الجاف المختلفة التي يضمها ديوانه الشعري
المطبوع عام 1990م سيلاحظ بأن الشاعر أتبع في نظمها أسلوب الشعر الكلاسيكي
الكوردي القديم الذي اعجب به غاية الاعجاب واستمد منه قوته وقابليته
الابداعية ، وان ما تركه من آثار شعرية هي إضمامة لقصائد تلك المدرسة
الشعرية الكوردية الاصيلة (( أي المدرسة الكلاسيكية )) .
وإجمالا فإن أشعار مينه الجاف نابعة بأصالة وصدق وشفافية من نفس كوردية
مؤمنة وتقية ووعي وطني وقومي وإنساني نبيل وضمير نزيه ووجدان حي وقلب حنون
وأخلاق رفيعة في الحياة .. إستمدها جميعا من البيئة القبلية الكوردية
الخالصة التي نشأ وترعرع فيها وسط گرميان ومن تقاليد وسجايا أسرته النبيلة
العريقة وخصوصا والده كريم بگ ألأمير الشهم والطيب ، وهذه الاشعار رغم
بساطتها وعفويتها وسلاستها فإنها تتمتع بقدر غير قليل من الفصاحة والبلاغة
والتلاعب بالالفاظ...
ويعود الفضل الأكبر في طبع ديوان الشاعر وتقديمه للقراء الكورد عام 1990م
إلى الأستاذ مصطفى نريمان الذي تعرف على مينه الجاف أثناء وجوده (( أي
نريمان )) معلما في كلار القديمة خلال (( 1944 – 1946 )) ودأب مع صديقه
الحميم محمد سعيد بگ الجاف – ابن عم الشاعر - على زيارته عندئذ (( في قرية
گوبان )) والتمتع بصحبته وضيافته هناك مرارا ،ومن جانبه حرص مينه الجاف على
زيارة صديقه نريمان في كلار ثم كفري وتوطيد صلاته الحميمة به .
أعد مصطفى نريمان محتويات هذا الديوان من المخطوطة الشعرية التي تركها مينه
الجاف من بعده وظلت محفوظة في بيت ابنه (( سرتيب بگ)) لمدة 26سنة وكذلك من
قصائده المنشورة في مجلة (( گلاويژ )) والتي تكفل نريمان بجمعها وتنظيمها .
ولابد من التنويه هنا أيضا بالمعوقات الكثيرة التي واجهت نريمان أثناء عمله
لتهيئة المخطوطة الشعرية القديمة للشاعر وتصحيحها وتنظيمها وإعادة تدوينها
تمهيدا لطبعها ، فالمخطوطة تلك عانت أثناء سباتها من قساوة الظروف والزمن
وخط كتابتها كان صعبا على الفهم أصلا فاقتضى الامر من نريمان المثابر
المزيد من الجهد والبحث ، والمشاق قبل أن يرى الديوان الحالي النور لأول
مرة وبشكله الأنيق عام 1990م (( كما أشرنا )) .
ويمكن تقسيم نتاجات مينه الجاف الشعرية بشكل اساسي إلى :-
أ- أشعاره الدينية النابعة من ورعه الكبير وإيمانه الراسخ بالله عز وجل
وتعلقه الصميمي الصادق بتعاليم الاسلام الحنيف ، وتدخل في هذا المضمار ،
قصائده العديدة في مجال الابتهال والمناجاة والتضرع إلى الباري عز وجل
والمدائح النبوية والاشادة بألأئمة والشيوخ والسادات الأطهار ....
ب- أشعاره القومية والوطنية المعبرة عن نضجه السياسي والثوري ووعيه السليم
إزاء قضايا وطنه وشعبه المصيرية ، وقد عبر الشاعر من خلال هذه القصائد عن
مواقفه وآرائه العديدة حيال الأحداث والتطورات السياسية والوطنية والقومية
التي عاصرها وبدأ من خلالها عاشقا حقيقيا للكورد وكوردستان ومتيما بالحرية
والاستقلال ورافضا لكل صنوف الفرقة والقهر والتخلف التي عانى منها شعبنا .
ويمكن إدخال بعض مرثياته في هذا الاطار أيضا والتي كرسها لتخليد قادة
وأعلام وشعراء بارزين والاشادة بهم مثل الشيخ محمود الحفيد الذي عده مينه
الجاف نموذجه النضالي الاعلى في الحياة والضباط الشهداء الكورد الاربعة :-
(( عزت ، خوشناو ،قدسي ، خير الله )) والشاعرين پيره ميرد و بيكه س ....الخ
.
كما عبر الشاعر في السياق نفسه ، عن تعاطفه وتآزره مع أبناء شعبه خلال
المآسي والنكبات والكوارث الطبيعية التي ضربت أرجاء الوطن وكوردستان تباعا
.
ج- أشعاره الاجتماعية التي كرسها لمختلف المناسبات العائلية والاجتماعية
بحلوها ومرها ومنها ما خصصها لتدوين تواريخ ميلاد أفراد أسرته ، ونصحهم
وإرشادهم ومدحهم وتأبينهم عند وفاتهم ، ومنها مدائحه ومرثياته بحق والده
الكريم وتأبينه للشاعر أحمد مختار الجاف .
د- أشعاره الغزلية المعبرة بصدق وحرارة عن لوعة حبه العذري الصادق وعن
مكابدات الهوى والغرام والافتتان بجمال وعذوبة ورقة الحبيبة والإشادة
بسحرها الأخاذ .
ونورد في الختام نماذج مختارة ترجمناها من شعره ، ونبدأها بمقطع من إحدى
قصائده المخصصة لمدح الشيخ الحفيد المبجل عنده كثيرا :-
قلعة الشموخ للكورد وكوردستان ،
أسد ذرى جبال مملكة بابان
سند الكورد وظهيرهم البين
داعية الثأر لدماء قتلانا
رافع رأس كل سلالة ميديا
مزين تاريخ كل الناطقين بالكوردية
القائد الأعلى لجيش البصرة
قاهر الروس في بانه وبوكان
يا من خضب السهل الكائن أمام (( دربند ))
بالدم . وقائد جيش بازيان
يأ اخذ ثأر شهدائنا في واقعة عتبة السراي
الذين قتلوا وأبيدوا في السادس من أيلول ..
ونختار من بكائيته المخصصة لرثاء الأمير و الشاعر المعروف المغدور أحمد
مختار بگ الجاف:
ياقوم يلوح أمام ناظري أن بلاء قد حل
أما إنه فتنة الدجال أو أنه قيام(( المحشر ))
هاهو نحيب الفواجع ثانيةً ، أو أنين التوجع مجددا
العالم كله تسوده الأحزان والناس مهتاجون
وتبدو من هذه الريح المغبرة المكفهرة الهابة
على كوردستان ، أن الدنيا نفسها غارقة في الحداد
إلى أن
يقول :
قولوا لي
بربكم حقيقة ألأمر ، لاتخفوها عني
هاقد التهب جسدي والقلب أحرقته نار الأحزان
ولما لم يرد على حيرتي أحد عدت نحو بيتنا
فوجدته غارقا في البكاء والنحيب
فسألت : لم هذا البكاء ؟ رد علي أحدهم :
أتجهل أن أمير الجاف أحمد بگ قتل في هذه الديار ؟
ونقدم من قصيدته الغزلية الرقيقة (( أيها الصبا )) ألأبيات التالية :
أيها الصبا يا خليل أسرار جموع العاشقين
أيها الصبا يا بلسم جروح القلوب الدامية
أيها الصبا يا قاصد العشاق وأنيس فراقهم
أيها الصبا يا رسول الأفراح وبشير طلوع الصباح
أيها الصبا يا طارد أوجاع وهموم العاشق العليل
أيها الصبا يا (( مهفة )) لهيب القلوب المحترقة
ها هو كبدي يشتعل بلظى بعد الحبيب
بالله استيقظ هذا الصباح باكرا ، قبل الآخرين
عطر نفسك في رياض الورود بأنواع الأريج
ثم شد الرحال متوكلا على قدرة الله
عجل الخطى بالله ، أرجوك لا تتوقف هنيهة
إلى أن تبلغ (( گرده سه وز )) والمضرب الكائن بين التلال
وارتق الرابية الموجودة أسفل (( ياله دريژ ))
وانظر من هناك حيث تبدو لك صفوف الخيم السوداء
وترى في أسفل مضرب العشيرة خيمة أميرها
فاقصدها وقل عندها : السلام يا قبلتي السلام
يا من بعدك يسبب لي الهم ووجع الفؤاد
السلام يا من صحبتك تداوي ألمي وسقمي
ملاحظة :
ولم نتطرق في سياق هذا المبحث إلى سير ونتاجات الكتاب والادباء المعروفين :
الكاتب والصحفي محمد سعيد بگ الجاف والكاتب حسن فهمي الجاف والشاعر الراحل
نبرد الجاف والاديب المبدع خسرو الجاف والباحث والمؤرخ د. حسن الجاف ..
وذلك لورود نبذة مختصرة وافية عن حياة وعطاءات كل واحد من هؤلاء السادة في
سياق موضوعنا (( السابق )) أشهر الشخصيات من أحفاد بگزاده الجاف .
وإضافة الى ما ذكر ، فإن هناك عددا كبيرا من الادباء والكتاب والصحفيين من
أبناء الجاف الذين ينشطون الان في الوسط الثقافي والفكري والاعلامي الكوردي
ويخدمون بجد وتفان ثقافة وتراث أمتهم وشعبهم ، وبضمنهم بعض الكتاب الذين
بذلوا جهودا لايستهان بها في مجال خدمة وإحياء تاريخ وتراث الجاف ومنهم على
سبيل المثال الكاتب والباحث والصحفي عمر علي شريف الذي نقدم عنه هذا الموجز
السريع :
الكاتب والباحث
والصحفي عمر علي شريف

ولد المذكور عام 1956 في مصيف سرتك بمو ضمن منطقة (( هورين – شيخان ))
العائدة الى ناحية ميدان ، قضاء خانقين ، حيث نال تعليمه الابتدائي في قصبة
ميدان ، والثانوي في بلدة جلولاء ، ونال عام 1979 شهادة البكا لوريوس ((
بدرجة جيد جدا عالي )) في اللغة الالمانية من كلية الآداب / جامعة بغداد .
وهو يعيش الان في مدينة أربيل بعد انتقاله اليها من بلدة دربندخان عام 1996
أثر ظروف الاقتتال الداخلي في كوردستان آنذاك . تضم قائمة نتاجاته المنشورة
في الصحف والمجلات الصادرة داخل كوردستان وخارجها أكثر من 400 موضوعا (( ما
بين بحث ومقال ومواد مترجمة من العربية والكوردية والالمانية )) ، إضافة
الى أربعة كتب مطبوعة وثلاث مخطوطات جاهزة للطبع .
نـالـي
(1800 – 1856)
شاعر الأجيال

ينتمي الشاعر الخالد (نالي) الى جيل الشعراء الأفذاذ الذين نبغوا وتألقوا
خلال المرحلة التي شهدت انتقال مشاعل الشعر والادب من كوردستان الشمالية
الى كوردستان الجنوبية، بعد القرن الثامن عشر، حين غدت السليمانية عاصمة
الحضارة والثقافة والشعر وتألقت في سمائها وفي سماء جوارها أسماء نخبة
لامعة من المبدعين؛ سالم، كوردي، مولوي، محوي، الحاج قادر، الشيخ رضا..
وغيرهم.
لقد أرسى نالي دعائم المدرسة الكلاسيكية البابانية الشهيرة في الشعر، والتي
شهدتها السليمانية المتألقة، دار ملك البابانيين، إبان العقود الاخيرة من
عهدهم الزاهر، وساهم معه في إرسائها وازدهارها زميلاه؛ سالم وكوردي والذين
شكلوا معاً في تاريخ الادب الكوردي ، الأعمدة الثلاث في ما يسمى بمثلث الشعر
الباباني الشهير الذي جاء معبراً تماماً عن بهاء ورخاء تلك الإمارة المهيبة
التي امتدت حدودها في أوج مجدها من كويسنجق وبانه شمالاً الى مندلي وبدرة
جنوباً.
ولاشك ان امة الكورد تدين بالفضل الكبير لهذا المبدع الكريم لما أسداه من
خدمة عظمى الى ثقافتنا وأدبنا عندما جعل ولأول مرة لغتنا الكوردية الام
المتداولة في أرجاء سوران الواسعة (الكرمانجية الجنوبية) لغة الشعر والادب ،
يوم كانت اللغات الفارسية والتركية والعربية تهيمن على الحياة الثقافية
والفكرية في كوردستان ، وذلك بحكم السيطرة العثمانية والفارسية على المنطقة
من جهة ، وتعلق أبناء شعبنا الكوردي المسلم بالعربية من جهة اخرى كونها لغة
القرآن الكريم وتعاليم دينهم الحنيف.
وإذا علمنا أيضاً، بأن الأدب الكوردي المدون سابقاً وقبل ظهور نالي ، كان
مقتصراً على الأشعار المنظومة باللهجات اللرية والگورانية والكرمانجية
الشمالية فقط ، سندرك حتماً أهمية الإنجاز الذي حققه نالي لابناء شعبنا في
أغلب أرجاء كوردستان الجنوبية ومناطق واسعة جداً من كوردستان الايرانية
(الشرقية) ضمن سنندج – سنه - وموكريان وغيرهما.
وبهذا مهد نالي السبيل امام
أبناء تلك الأجزاء العزيزة من أرض كوردستان كي يتمتعوا بحلاوة وعذوبة شعرهم
وفصاحة وبلاغة لغتهم ، وأصبحت الفرصة سانحة أمامهم تماماً ، ليجاروا ويضاهوا
الآداب العرب |