|
أنجبت قبيلة الجاف وعلى مر تاريخها الطويل العديد من علماء الدين الأفاضل
والشعراء والكتاب والمثقفين اللامعين الذين أسدوا خدمات عظيمة الى التراث
الفكري والأدبي والروحي والثقافي لامتهم وأغنوها بنتاجاتهم وعطائاتهم
الإبداعية الخالدة ، وكما ان العديد منهم خدموا الى جانب تراث أمتهم ،
التراث الفكري الإسلامي ولغة وثقافة غيرهم من الامم المجاورة من عربية
وفارسية وتركية
وإجمالا فقد نبغ وتألق في وسط قبيلة الجاف بعشائرها وأفخاذها المختلفة
علماء دين مبدعون وشعراء فطاحل وكتاب ومؤرخون وباحثون وصحفيون بارزون وتشهد
لهم نتاجاتهم وآثارهم الإبداعية على باعهم الطويل في تراث أمتهم وشعبهم
العلمي والثقافي والأدبي ، فنشير من بينهم
على سبيل المثال لا الحصر الى :- العلامة الكبير
ابن الصلاح الشهرزوري والمرشد والعلامة الشهير مولانا خالد النقشبندي
والعلامة الباحث الكبير الملا عبد الكريم المدرس والشعراء :- لزا خانم
الجاف (( شاعرة )) ، عيل بگي
جاف ، خاناي قبادي ، نالي ، مولوي ، ولي ديوانه ، واحمد مختار الجاف ، عبد
الله گوران ، طاهربگ الجاف ،
مينه جاف (( محمد أمين بگ
بن كريم بگ )) ، نبرد
الجاف والصحفي والكاتب المعروف محمد سعيد بگ
والكاتب حسن فهمي الجاف والاديب الروائي خسرو الجاف والمؤرخ والباحث د. حسن
الجاف. (( وهذان
الأخيران ما يزالان يواصلان عطائاتهما ونتمنى لهما العمر
المديد والصحة والعافية )) .. وغيرهم .
وسنحاول في سياق موضوعنا هذا التعريف بنخبة من هؤلاء المبدعين ، مع الإسهاب
والإفاضة في سير وعطائات ومآثر أربعة منهم (( نالي ، باعتباره احد أعظم
شعراء الكورد قاطبة ، ومولوي الشاعر الوجداني والصوفي العظيم ، واحمد مختار
الجاف الشاعر القومي الغيور ، وگوران الشاعر الحداثوي الأبرز في الادب
الكوردي والملا عبد الكريم المدرس العلامة الفقيه والباحث الجليل )) .
ولاشك ان الوقوف على عطائات ومآثر هذه النخبة المبدعة سيثبت بجلاء إسهام
الجاف الفاعل في أغناء وازدهار تراث أمتهم الروحي والأدبي والفكري كثيرا .
*العلامة ابن الصلاح الشهرزوري
ولد هذا العالم الجليل المنسوب الى نخبة
العلماء الكورد الكبار الذين عرفوا عند أقرانهم العلماء والباحثين العرب
بالعلماء الشهرزورية ، ولد عام 577 هـ بشهرزور مهد العلماء والفقهاء الإجلاء
في التاريخ الإسلامي . ولما يفع انتقل في سبيل العلم بين الموصل وبغداد
وخراسان ، ثم استقر أخيرا في الشام فتوفي عام 643 هـ بمدينة دمشق تاركا من
بعده كتابه القيم في علم الحديث (( مقدمة ابن الصلاح )) والعديد من
المخطوطات القيمة الأخرى
، وقد طبع كتابه المذكور في الهند ومصر والشام .
*العلامة المرشد مولانا خالد النقشبندي

الشيخ ضياء الدين خالد بن احمد
بن حسين الملقب بـ ملانا خالد النقشبندي ومؤسس الطريقة الصوفية النقشبندية
في كوردستان الجنوبية وجوارها حتى الأناضول وايران والشام ، ولد 1193 في
قره داغ في أحضان اسرة دينية مرموقة من عشيرة الميكائيلي (( الجاف)) ونال
تحصيله العلمي الأولي ولدى والده وعلماء منطقته .
ثم جاب مختلف مناطق
كوردستان في سبيل العلم والدراسة حتى نال الإجازة العلمية على يد العلامة
الشيخ محمد قسيم رئيس العلماء في سنه (( سنندج )) بعدئذ مارس التدريس في
السليمانية الى ان حج بيت الله العزيز عام 1220 هـ وهناك كما قيل ، اخذ
البشارة من بعض الصالحين بأنه سيبلغ مقاما كبيرا في رعاية مرشد جليل ،
فعاد
الى السليمانية حيث انهمك بالتدريس مجددا الى ان التقى ذات يوم بشخص اسمه
مرزا رحيم مبعوث شيخ عبد الله دلهي ، فشوقه المذكور للسفر معه الى الهند
ومقابلة شيخه هناك وهكذا سافر الاثنان عام 1222 هـ الى الهند ، فقابل
المرشد عبد الله دلهي فنال عنده إجازة الطريقة النقشبندية واصبح من مرشديها
البارزين .
وبعد عم ، عاد الى كوردستان الشرقية فاقام في سنندج منهمكا بنشر آداب
طريقته النقشبندية فادخل أستاذه الشيخ محمد قسيم فيها ، ولما عاد هب الناس
لاستقباله وتعظيمه وإتباع نهجه الصوفي السديد . ثم سافر بناء على توجيهات
مرشده (( الشيخ عبد الله دلهي )) الى بغداد لزيارة الحضرة الگيلانية
ٍالشريفة فبقى هناك ستة اشهر
عاد بعدها الى السليمانية مواصلا نشر طريقته
، لكنه مالبث ان غادر الى بغداد مجددا بسبب تذمره من الوضع السائد في
السليمانية فاستقر هناك في تكيته المعروفة بالخالدية مستمرا بالإرشاد
والتدريس ثم عاد مجددا الى السليمانية بناء على الحاح ورجاء الامير محمود
پاشا الباباني الذي شيد له التكية المعروفة بـ (( خانقاه مولانا خالد )) في
السليمانية ووقف لها قرى وأملاكا واسعة .
واصل مولانا خالد تحقيق نجاحاته الكبيرة في مجال الوعظ والإرشاد والتدريس
في السليمانية وتعاظمت أعداد مريديه وأتباعه كثيرا حتى توترت العلاقة بين
أهل هذه الطريقة والطريقة الأخرى (( القادرية )) ، فساهم ذلك في زيادة توتر
الوضع المضطرب أصلا في السليمانية ، وبفعل ذلك عاد مولانا الى بغداد مرة
اخرى عام 1238 هـ وأرسل وكيله الشيخ احمد هوليري الى الشام لنشر طريقته
هناك ، فاستقر في دمشق مرشدا وعالما نابغا .
ثم زار مولانا بيت المقدس وحج ثانية وزار قبر الرسول (( صلى الله عليه وسلم
)) ، فعاد الى الشام حيث وافاه الاجل الموعود عام 1246 هـ تاركا من بعده
مؤلفاته وآثاره الكثيرة في اللغة والادب والعقائد والتصوف والفقه ومنظوماته
الشعرية بالعربية والكوردية والفارسية .
* الشاعرة لزا خانم الجاف

قيل ان الشاعرة لزا خانم الجاف عاشت في القرن
الخامس الهجري بمنطقة شهرزور واتسمت بجمالها وصوتها الشجي ومهارتها في
العزف ، وبأنها زاهدة متصوفة من أتباع مذهب (( يارسان – أهل الحق )) وتركت
في هذا السبيل منطقتها شهرزور الى منطقة لرستان في غرب ايران وسكنت قرية ((
عه ينه )) قرب مدينة خرم آباد مركز محافظة لرستان
.
الشاعر
عيل بگي جاف

ان المعلومات المتيسرة عن هذا الشاعر المعروف لا
تتجاوز نطاق بعض الشذرات المتفرقة التي نقلت شفاها من جيل الى جيل اخر ،
وهذه الشذرات تختلف وتتناقض فيما بينها أحيانا فيما يخص عصر الشاعر وبيئته
والعصر الذي نشأ فيه . فبعضهم أشار الى انه عاش خلال أعوام (( 898-941 هـ
)) في إطراف شهرزور ونهر سيروان ، والبعض الاخر أفاد بأنه نشأ وعاش في قرية
(( شله وزالوب )) بمنطقة سنجابي في محافظة كرمانشاه الايرانية في عصر آخر
ثم رحل في شبابه الى منطقة هورامان (( اورامانات )) وتزوج هناك .
لكن الثابت ان عيل
بگي جاف كان من أتباع ومتصوفة طريقة أهل الحق وقد عرف
بحدسه الصائب وبعد نظره وتنبؤاته وتوقعاته المدهشة الصائبة لوقوع العديد من
الأحداث والمعارك والكوارث وتحقيق الكثير من المنجزات العلمية الهامة التي
اشار اليها في سياق اشعاره الذائعة (( هه روابووه وهه ر وائه بى)) أي ((
هكذا كان وهكذا سيكون )) حيث تنبأ على سبيل المثال باختراع التلگراف
والتلفون والسيارة والطائرة وبمجيئ القاجاريين للحكم في ايران وبوقوع الحرب
العالمية واحتلال ايران من قبل الروس والبريطانيين وغيرها .
*الشاعر خاناي
قبادي

عاش الأديب والشاعر خاناي قبادي خلال الفترة ((
1700- 1759)) وهو صاحب القصة الشعرية الذائعة خسرو وشيرين المنظومة
بالكوردية عام 1153هـ والتي اقتبسها من المنظومة الفارسية للشاعر نظامي ((
وبنفس الاسم )) وتتميز منظومة قبادي عن سابقتها للشاعر الكبير نظامي بأنها
أكثر بلاغة وتعبيرا .
*الشاعر ولي ديوانه

ولد الشاعر الشهير (( ولي ديوانه )) في سنة غير
معروفة بالظبط ، لكن الثابت انه عاش ومات في القرن الثامن عشر(( وانه كان
على قيد الحياة عام 1756 م تحديدا )) . عشق هذا الشاعر الرقيق ، شمسه بنت
قادر شيروان (( وهي ابنة رئيس احد أفخاذ عشيرة الشاعر الكماله يى/ من فروع
الجاف )) ، فهام بها غراما ووجدا وأبدع في حبها والتغزل بها قصائدا غاية في
الروعة والعذوبة ، حتى غدا حبه لحبيبته المعروفة (( شم )) اختصارا وتحببا
في مستوى حب مجنون وليلى ، شيرين وفرهاد ، مم وزين ....
كان ولي ديوانه اكبر ابناء والده حمه سور الميسور الحال الذي كان حريصا على
سعادة ابنه فأرسل وجهاء العشيرة الى والد (( شم )) لطلب يدها للشاعر
الولهان ، وتم قبول الطلب .
ولكن لسوء حظ الشاعر، نشب خلاف بين أهله وأهل حبيبته في مضيق (( كه لي
پيکولي )) بدء الهجرة الصيفية للجاف الى مناطق كويستان الباردة ، فحرم
الحبيبان من الوصال ، وظل الشاعر يكابد عذاب الظروف وينظم أشعار الحب
والوجد الى ان فارق الحياة .
*طاهر بگ الجاف

ولد الشاعر الكلاسيكي النابغ طاهر
بگ بن عثمان پااشا بن
محمد پاشا الجاف عام 1875 في مدينة حلبجة حيث نشأ وتعلم ونبغ في ظل والده
الكريم ووالدته النابغة عادله خان ، فتوفرت له حياة هانئة ورغيدة وفرص
الاحتكاك بالعلماء والأدباء والشعراء والساسة والوجهاء وقضى في شبابه حياة
حافلة بالأنس والطرب والمجالس الشعرية
ونظم قصائد كلاسيكية رائعة (( لاسيما
في ميدان الغزل )) تعد من أجمل كلاسيكيات الشعر الكوردي التي تقطر حلاوة
وعذوبة ، وتعلم الفارسية والفرنسية ، تحول طاهر
بگ في اواخر حياته الى
عالم الزهد والتصوف فتوفي في السليمانية عام 1917 عن عمر ناهز الـ 42 عاما
فدفن في مقبرة عبابيلي القريبة من حلبجة .
الشاعر
مينه الجاف
صوت
گرميان الصادق

سيرته:
ولد شاعرنا مينه الجاف (( مينه تصغير لإسم محمد أمين )) . واسمه الكامل هو
محمد أمين بگ بن كريم بگ
بن فتاح بگ بن محمد پاشا الجاف ، عام 1911 في
قلعة شيروانة العتيدة المطلة على نهر سيروان الخالد أسفل بلدة كلار الحالية
والتي شيدها جده الاكبر (( محمد پاشا )) في حدود عام (( 1283هـ)) كي تكون
محل إقامة أسرته في مضارب گرميان ورمزا لهيبة ونفوذ قبيلته الرحالة
المعروفة على صعيد العراق وإيران وأرجائهما المجاورة ..
ظل مينه الجاف منذ صغره ، وعلى دأب أفراد أسرته العريقة ، مصاحبا لقبيلته
في حلها وترحالها الموسميين بين ربوع گرميان الدافئة شتاءً ، وأطراف پنجوين
وجوارها داخل كوردستان إيران صيفا ، وظل كذلك لحين استقرار أسرته النهائي
في قصبة كلار الفتية المزدهرة إبان عقد العشرينات من القرن الفائت ، و التي
صارت في ظل والده الأمير الشهم كريم بكَ المركز الرئيسي لرئاسة قبيلته
الذائعة .
نال مينه الجاف تعليمه الإسلامي في جامع كلار وعند العالمين الدينيين الملا
محيي الدين والملا أحمد كلاري ثم بذل من جانبه جهودا كبيرة للغاية في مجال
تنمية ثقافته الذاتية ومؤهلاته الفكرية ، وتطوير موهبته الأدبية والشعرية
الاصيلة التي نمت لديه مبكرا ، مستفيدا في هذا السياق من بيئة أسرته
المتنورة بالعلم والدين والأدب والشعر ،
إذ كان والده على دأب أسلافه
من أمراء الجاف النابغين ، حريصا على الثقافة والعلم عموما ، ذواقا للشعر
خصوصا فكان مضيفه الواسع في كلار يعج غالبا بالمفكرين والمثقفين وعلماء
الدين و الأدباء والشعراء الذين قدر لشاعرنا التعرف عليهم والإلمام
بمؤهلاتهم السخية .
وإضافة إلى تأثير والده ومجلسه العامر عليه ، في مجال صقل موهبته الشعرية
وملكته الثقافية ، فقد كان لعميه محمد بگ ورضا بگ اثرهما البين والفعال
عليه في هذا السياق أيضا ، حيث نصحاه وشجعاه دوما بصدد تعزيز وأغناء مقدرته
الشعرية الواعدة بالكثير من السعي العلمي والثقافي والفكري الدؤوب ،
ولم
يخيب هو من جانبه ظنهما الحسن به ، فواظب على إغناء معلوماته ومعارفه
السابقة بالمزيد من مكاسبه الأدبية والثقافية التي حققها بإصرار مدهش
وعزيمة لا تلين ، وأفلح في تعلم العربية والتركية والفارسية التي تعمق ونبغ
فيها بشكل خاص وعلى خطى سابقيه من الشعراء المعروفين .
وعلى صعيد مزاياه وسجاياه الشخصية والاجتماعية فان مينه الجاف الذي تربى
على تقاليد قبيلته الكوردية الاصيلة وورث عن والده خلقه الرفيع تميز بجوده
وورعه الكبيرين ، وبشجاعته وفروسيته وأمانته وفطنته وطيبة وصفاء سريرته
وإستقامة ورقة قلبه وعذوبة مشاعره ...
ومن المواقف والأحداث الهامة التي حفلت بها حياته العامرة بالعطاء والكدح
والكفاح نذكر وقفته الشجاعة مع والده وعمه المقدام داود بگ في معركة (( ئاو
باريك )) ضمن حدود (( گل )) التابعة لطوز خورماتو ، تلك الواقعة المشهودة
التي دارت في ربيع عام 1931 واستبسل فيها فرسان الجاف بقيادة كريم بگ جنبا
إلى جنب الشيخ الحفيد ورفاقه وأنصاره المتواجدين معه ،
والذين فوتوا معا
بصمودهم وإقدامهم المدهشين ، على القوات الحكومية المدعومة جوا من الطائرات
البريطانية ، فرصة أسرهم وإبادتهم رغم تفوق العدو الكبير في العدة والعدد
وامتلاكه لعنصر المباغتة في تلك المعركة الدامية غير المتكافئة أصلا .
كما نشير أيضا إلى مرحلة هامة أخرى من حياة مينه الجاف وهو ما يزال شابا
تمثلت بأنتقاله مع والدته (( دورسن خان )) وشقيقته العزيزة (( حبيبه خان ))
إلى قرية (( گوبان )) الواقعة على مبعدة بضعة كيلو مترات من كلار
واستقرارهم فيها ، حيث شرع شاعرنا هناك بتدبير معيشة أسرته والانهماك في
النشاط الزراعي من جهة ، والاستمرار في نظم الشعر ورفد مجلة (( گلاويژ ))
بالعديد من نتاجاته الشعرية من جهة أخرى ،
كما ظل
حريصا على اقتناء المطبوعات الكوردية ولا سيما الصحف والمجلات منها
ومطالعتها بشغف ، وقد خصص ركنا من مضيفه الأنيق لحفظ الكتب والمطبوعات
الموجودة لديه . ثم استمر مواظبا على عطائه ونهجه القويم في الحياة ، إلى
أن توفي في بغداد عام 1965 ودفن في مقبرة العائلة عند سيد خليل قرب كلار .
مسيرته
الشعرية ونماذج من شعره :
تأثر مينه الجاف على صعيد تجربته الشعرية والابداعية بعدد من الشعراء
البارزين الذين سبقوه في هذا المضمار فاستفاد من تجاربهم وأساليبهم الشعرية
المتنوعة في تحقيق مكانته الأدبية التي بلغها والجهد والاصرار المتواصلين
ومنهم :- مولوي ، الشيخ رضا الطالباني ، ناري ، مصطفى بگ كوردي ، السيد
فتاح الجباري ، پيره ميرد الذي كان شاعرنا معجبا بفكره النير وحكمته وعلمه
الغزير ومثمنا لموقفه ازاء قبيلة الجاف وأسرتها الحاكمة .
كما عرف مينه الجاف بمبادلاته الشعرية مع عدد من شعراء عصره وتأثره وإعجابه
بهم وأرتبط بعلاقات صداقة خاصة مع الشعراء :- الشيخ سلام ، ئه خول ، أحمد
مختار الجاف ، بيكه س الذي افتتن (( أي مينه )) باسلوب شعره الوطني والقومي
وأتبعه في قصائده ومنظوماته الكثيرة المكرسة لهذا الغرض .
إن المتأمل لقصائد وأشعار مينه الجاف المختلفة التي يضمها ديوانه الشعري
المطبوع عام 1990م سيلاحظ بأن الشاعر أتبع في نظمها أسلوب الشعر الكلاسيكي
الكوردي القديم الذي اعجب به غاية الاعجاب واستمد منه قوته وقابليته
الابداعية ، وان ما تركه من آثار شعرية هي إضمامة لقصائد تلك المدرسة
الشعرية الكوردية الاصيلة (( أي المدرسة الكلاسيكية )) .
وإجمالا فإن أشعار مينه الجاف نابعة بأصالة وصدق وشفافية من نفس كوردية
مؤمنة وتقية ووعي وطني وقومي وإنساني نبيل وضمير نزيه ووجدان حي وقلب حنون
وأخلاق رفيعة في الحياة .. إستمدها جميعا من البيئة القبلية الكوردية
الخالصة التي نشأ وترعرع فيها وسط گرميان ومن تقاليد وسجايا أسرته النبيلة
العريقة وخصوصا والده كريم بگ ألأمير الشهم والطيب ، وهذه الاشعار رغم
بساطتها وعفويتها وسلاستها فإنها تتمتع بقدر غير قليل من الفصاحة والبلاغة
والتلاعب بالالفاظ...
ويعود الفضل الأكبر في طبع ديوان الشاعر وتقديمه للقراء الكورد عام 1990م
إلى الأستاذ مصطفى نريمان الذي تعرف على مينه الجاف أثناء وجوده (( أي
نريمان )) معلما في كلار القديمة خلال (( 1944 – 1946 )) ودأب مع صديقه
الحميم محمد سعيد بگ الجاف – ابن عم الشاعر - على زيارته عندئذ (( في قرية
گوبان )) والتمتع بصحبته وضيافته هناك مرارا ،ومن جانبه حرص مينه الجاف على
زيارة صديقه نريمان في كلار ثم كفري وتوطيد صلاته الحميمة به .
أعد مصطفى نريمان محتويات هذا الديوان من المخطوطة الشعرية التي تركها مينه
الجاف من بعده وظلت محفوظة في بيت ابنه (( سرتيب بگ)) لمدة 26سنة وكذلك من
قصائده المنشورة في مجلة (( گلاويژ )) والتي تكفل نريمان بجمعها وتنظيمها .
ولابد من التنويه هنا أيضا بالمعوقات الكثيرة التي واجهت نريمان أثناء عمله
لتهيئة المخطوطة الشعرية القديمة للشاعر وتصحيحها وتنظيمها وإعادة تدوينها
تمهيدا لطبعها ، فالمخطوطة تلك عانت أثناء سباتها من قساوة الظروف والزمن
وخط كتابتها كان صعبا على الفهم أصلا فاقتضى الامر من نريمان المثابر
المزيد من الجهد والبحث ، والمشاق قبل أن يرى الديوان الحالي النور لأول
مرة وبشكله الأنيق عام 1990م (( كما أشرنا )) .
ويمكن تقسيم نتاجات مينه الجاف الشعرية بشكل اساسي إلى :-
أ- أشعاره الدينية النابعة من ورعه الكبير وإيمانه الراسخ بالله عز وجل
وتعلقه الصميمي الصادق بتعاليم الاسلام الحنيف ، وتدخل في هذا المضمار ،
قصائده العديدة في مجال الابتهال والمناجاة والتضرع إلى الباري عز وجل
والمدائح النبوية والاشادة بألأئمة والشيوخ والسادات الأطهار ....
ب- أشعاره القومية والوطنية المعبرة عن نضجه السياسي والثوري ووعيه السليم
إزاء قضايا وطنه وشعبه المصيرية ، وقد عبر الشاعر من خلال هذه القصائد عن
مواقفه وآرائه العديدة حيال الأحداث والتطورات السياسية والوطنية والقومية
التي عاصرها وبدأ من خلالها عاشقا حقيقيا للكورد وكوردستان ومتيما بالحرية
والاستقلال ورافضا لكل صنوف الفرقة والقهر والتخلف التي عانى منها شعبنا .
ويمكن إدخال بعض مرثياته في هذا الاطار أيضا والتي كرسها لتخليد قادة
وأعلام وشعراء بارزين والاشادة بهم مثل الشيخ محمود الحفيد الذي عده مينه
الجاف نموذجه النضالي الاعلى في الحياة والضباط الشهداء الكورد الاربعة :-
(( عزت ، خوشناو ،قدسي ، خير الله )) والشاعرين پيره ميرد و بيكه س ....الخ
.
كما عبر الشاعر في السياق نفسه ، عن تعاطفه وتآزره مع أبناء شعبه خلال
المآسي والنكبات والكوارث الطبيعية التي ضربت أرجاء الوطن وكوردستان تباعا
.
ج- أشعاره الاجتماعية التي كرسها لمختلف المناسبات العائلية والاجتماعية
بحلوها ومرها ومنها ما خصصها لتدوين تواريخ ميلاد أفراد أسرته ، ونصحهم
وإرشادهم ومدحهم وتأبينهم عند وفاتهم ، ومنها مدائحه ومرثياته بحق والده
الكريم وتأبينه للشاعر أحمد مختار الجاف .
د- أشعاره الغزلية المعبرة بصدق وحرارة عن لوعة حبه العذري الصادق وعن
مكابدات الهوى والغرام والافتتان بجمال وعذوبة ورقة الحبيبة والإشادة
بسحرها الأخاذ .
ونورد في الختام نماذج مختارة ترجمناها من شعره ، ونبدأها بمقطع من إحدى
قصائده المخصصة لمدح الشيخ الحفيد المبجل عنده كثيرا :-
قلعة الشموخ للكورد وكوردستان ،
أسد ذرى جبال مملكة بابان
سند الكورد وظهيرهم البين
داعية الثأر لدماء قتلانا
رافع رأس كل سلالة ميديا
مزين تاريخ كل الناطقين بالكوردية
القائد الأعلى لجيش البصرة
قاهر الروس في بانه وبوكان
يا من خضب السهل الكائن أمام (( دربند ))
بالدم . وقائد جيش بازيان
يأ اخذ ثأر شهدائنا في واقعة عتبة السراي
الذين قتلوا وأبيدوا في السادس من أيلول ..
ونختار من بكائيته المخصصة لرثاء الأمير و الشاعر المعروف المغدور أحمد
مختار بگ الجاف:
ياقوم يلوح أمام ناظري أن بلاء قد حل
أما إنه فتنة الدجال أو أنه قيام(( المحشر ))
هاهو نحيب الفواجع ثانيةً ، أو أنين التوجع مجددا
العالم كله تسوده الأحزان والناس مهتاجون
وتبدو من هذه الريح المغبرة المكفهرة الهابة
على كوردستان ، أن الدنيا نفسها غارقة في الحداد
إلى أن
يقول :
قولوا لي
بربكم حقيقة ألأمر ، لاتخفوها عني
هاقد التهب جسدي والقلب أحرقته نار الأحزان
ولما لم يرد على حيرتي أحد عدت نحو بيتنا
فوجدته غارقا في البكاء والنحيب
فسألت : لم هذا البكاء ؟ رد علي أحدهم :
أتجهل أن أمير الجاف أحمد بگ قتل في هذه الديار ؟
ونقدم من قصيدته الغزلية الرقيقة (( أيها الصبا )) ألأبيات التالية :
أيها الصبا يا خليل أسرار جموع العاشقين
أيها الصبا يا بلسم جروح القلوب الدامية
أيها الصبا يا قاصد العشاق وأنيس فراقهم
أيها الصبا يا رسول الأفراح وبشير طلوع الصباح
أيها الصبا يا طارد أوجاع وهموم العاشق العليل
أيها الصبا يا (( مهفة )) لهيب القلوب المحترقة
ها هو كبدي يشتعل بلظى بعد الحبيب
بالله استيقظ هذا الصباح باكرا ، قبل الآخرين
عطر نفسك في رياض الورود بأنواع الأريج
ثم شد الرحال متوكلا على قدرة الله
عجل الخطى بالله ، أرجوك لا تتوقف هنيهة
إلى أن تبلغ (( گرده سه وز )) والمضرب الكائن بين التلال
وارتق الرابية الموجودة أسفل (( ياله دريژ ))
وانظر من هناك حيث تبدو لك صفوف الخيم السوداء
وترى في أسفل مضرب العشيرة خيمة أميرها
فاقصدها وقل عندها : السلام يا قبلتي السلام
يا من بعدك يسبب لي الهم ووجع الفؤاد
السلام يا من صحبتك تداوي ألمي وسقمي
ملاحظة :
ولم نتطرق في سياق هذا المبحث إلى سير ونتاجات الكتاب والادباء المعروفين :
الكاتب والصحفي محمد سعيد بگ الجاف والكاتب حسن فهمي الجاف والشاعر الراحل
نبرد الجاف والاديب المبدع خسرو الجاف والباحث والمؤرخ د. حسن الجاف ..
وذلك لورود نبذة مختصرة وافية عن حياة وعطاءات كل واحد من هؤلاء السادة في
سياق موضوعنا (( السابق )) أشهر الشخصيات من أحفاد بگزاده الجاف .
وإضافة الى ما ذكر ، فإن هناك عددا كبيرا من الادباء والكتاب والصحفيين من
أبناء الجاف الذين ينشطون الان في الوسط الثقافي والفكري والاعلامي الكوردي
ويخدمون بجد وتفان ثقافة وتراث أمتهم وشعبهم ، وبضمنهم بعض الكتاب الذين
بذلوا جهودا لايستهان بها في مجال خدمة وإحياء تاريخ وتراث الجاف ومنهم على
سبيل المثال الكاتب والباحث والصحفي عمر علي شريف الذي نقدم عنه هذا الموجز
السريع :
الكاتب والباحث
والصحفي عمر علي شريف

ولد المذكور عام 1956 في مصيف سرتك بمو ضمن منطقة (( هورين – شيخان ))
العائدة الى ناحية ميدان ، قضاء خانقين ، حيث نال تعليمه الابتدائي في قصبة
ميدان ، والثانوي في بلدة جلولاء ، ونال عام 1979 شهادة البكا لوريوس ((
بدرجة جيد جدا عالي )) في اللغة الالمانية من كلية الآداب / جامعة بغداد .
وهو يعيش الان في مدينة أربيل بعد انتقاله اليها من بلدة دربندخان عام 1996
أثر ظروف الاقتتال الداخلي في كوردستان آنذاك . تضم قائمة نتاجاته المنشورة
في الصحف والمجلات الصادرة داخل كوردستان وخارجها أكثر من 400 موضوعا (( ما
بين بحث ومقال ومواد مترجمة من العربية والكوردية والالمانية )) ، إضافة
الى أربعة كتب مطبوعة وثلاث مخطوطات جاهزة للطبع .
نـالـي
(1800 – 1856)
شاعر الأجيال

ينتمي الشاعر الخالد (نالي) الى جيل الشعراء الأفذاذ الذين نبغوا وتألقوا
خلال المرحلة التي شهدت انتقال مشاعل الشعر والادب من كوردستان الشمالية
الى كوردستان الجنوبية، بعد القرن الثامن عشر، حين غدت السليمانية عاصمة
الحضارة والثقافة والشعر وتألقت في سمائها وفي سماء جوارها أسماء نخبة
لامعة من المبدعين؛ سالم، كوردي، مولوي، محوي، الحاج قادر، الشيخ رضا..
وغيرهم.
لقد أرسى نالي دعائم المدرسة الكلاسيكية البابانية الشهيرة في الشعر، والتي
شهدتها السليمانية المتألقة، دار ملك البابانيين، إبان العقود الاخيرة من
عهدهم الزاهر، وساهم معه في إرسائها وازدهارها زميلاه؛ سالم وكوردي والذين
شكلوا معاً في تاريخ الادب الكوردي ، الأعمدة الثلاث في ما يسمى بمثلث الشعر
الباباني الشهير الذي جاء معبراً تماماً عن بهاء ورخاء تلك الإمارة المهيبة
التي امتدت حدودها في أوج مجدها من كويسنجق وبانه شمالاً الى مندلي وبدرة
جنوباً.
ولاشك ان امة الكورد تدين بالفضل الكبير لهذا المبدع الكريم لما أسداه من
خدمة عظمى الى ثقافتنا وأدبنا عندما جعل ولأول مرة لغتنا الكوردية الام
المتداولة في أرجاء سوران الواسعة (الكرمانجية الجنوبية) لغة الشعر والادب ،
يوم كانت اللغات الفارسية والتركية والعربية تهيمن على الحياة الثقافية
والفكرية في كوردستان ، وذلك بحكم السيطرة العثمانية والفارسية على المنطقة
من جهة ، وتعلق أبناء شعبنا الكوردي المسلم بالعربية من جهة اخرى كونها لغة
القرآن الكريم وتعاليم دينهم الحنيف.
وإذا علمنا أيضاً، بأن الأدب الكوردي المدون سابقاً وقبل ظهور نالي ، كان
مقتصراً على الأشعار المنظومة باللهجات اللرية والگورانية والكرمانجية
الشمالية فقط ، سندرك حتماً أهمية الإنجاز الذي حققه نالي لابناء شعبنا في
أغلب أرجاء كوردستان الجنوبية ومناطق واسعة جداً من كوردستان الايرانية
(الشرقية) ضمن سنندج – سنه - وموكريان وغيرهما.
وبهذا مهد نالي السبيل امام
أبناء تلك الأجزاء العزيزة من أرض كوردستان كي يتمتعوا بحلاوة وعذوبة شعرهم
وفصاحة وبلاغة لغتهم ، وأصبحت الفرصة سانحة أمامهم تماماً ، ليجاروا ويضاهوا
الآداب العربية والتركية والفارسية التي هيمنت طويلاً على عقول ومسامع
الكورد.
ولم تقتصر إسهامات نالي على ميدان الشعر الكوردي الذي نبغ وتألق فيه
كثيراً ،
بل تعداه أيضا الى الشعرين الفارسي والعربي اللذين تأثر بهما وبرع
فيهما تماماً بحيث كان بميسوره تحقيق مجده الأدبي من خلالهما (إن اراد)
والاكتفاء بذلك ، بدلاً من خوض غمار الشعر الكوردي (السوراني) الذي لم يتجرأ
شاعر أخر قبله على الخوض فيه ، يوم كانت الكتابة بالكوردية غير مألوفة
والشكوك كبيرة جداً بشأن مقدرة هذا الشعر على النجاح والدوام ومجاراة
الأشعار الأخرى المعروفة التي ذكرناها .
لكن نالي الشجاع والواثق من نفسه
ومن عبقريته المتدفقة والمؤمن إيماناً راسخاً بأصالة وقدرة لغته الأم ، آثر
تحقيق تلك الأمنية الغالية التي كرس لها كل طاقاته الإبداعية ، فحقق بها
أخيراً حلم أبناء شعبه التواقين الى سماع شعرهم القومي الرصين وبلغتهم
المتداولة (الكوردية السورانية)
.
وبذا أصبح نالي الرائد لمرحلة الولادة
والترعرع بالنسبة لذلك الشعر والمبتكر الأول لتلك المدرسة الكلاسيكية
الكبيرة التي اقترنت باسمه الخالد وساهم معه في توطيدها سالم وكوردي كما
قلنا ، وأصبح لها مريدون وأتباع كثر وسار على نهجها شعراء كبار في مختلف
أرجاء كوردستان نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: محوي ، ناري ، وفايي ،
طاهر بگ الجاف ، حريق ، بيخود ، أختر، مجدي.. وغيرهم.
وهكذا كان نبوغ نالي أشبه
بطلوع كوكب منير في أفق الكورد العالي ، أستمد
منه الكثيرون من أتباعه ومقلديه بريقهم والقهم ، ثم تبوأت اللغة التي نظم
بها نالي وأقرانه أشعارهم ، منزلة عالية من النضج والرقي وأصبحت تضاهي
اللغات المجاورة سحراً وتأثيراً.
وعموماً كان نالي أسطورة في الشعر الكوردي وظاهرة أدبية فريدة قلما تتكرر
وقد حظي تبعاً لشهرته الواسعة وشاعريته الفذة بالعديد من البحوث والدراسات
المتنوعة القيمة التي حاولت جاهدة الإلمام بسيرته المبدعة في الحياة وعالمه
الشعري الرحب والوقوف على سر عبقريته الفريدة وقابليته وموهبته التي لم يكن
لها حدود .
لكن تلك المحاولات ورغم أهميتها وجديتها بقت وستبقى قاصرة عن
الإلمام التام بهذا الفيض المتدفق من العطاء والابداع من لدن نالي ، أمير
الشعراء في زمانه وأحد أعظم أدباء هذه الأمة على مر تاريخها الطويل ،
والمؤكد أن جهدي المتواضع هذا سيكون بدوره قاصراُ أيضاً عن أعطاء صاحب
الفضل علينا هذا ، حقه الذي يستحق ،
لكن جل ما أرجوه وأبتغيه في هذا المجال
هو أن أوفق ولو في تقديم صورة مناسبة ومعقولة قدر الإمكان ، عن سيرة هذا
الأديب الشهم وشخصيته الأدبية ونبوغه الملفت وديوانه الشعري الذي أختار منه
شذرات ملونة منتقاة من بين قصائده الخالدة التي جعلته يتبوأ قمة الشعر
الكوردي الأصيل.
سيرته...
ولد شاعرنا الملا خضر بن أحمد شاويس آلي
بگي الميكائيلي "1" والملقب بـ
(نالي) "2" نهاية القرن الثامن عشر (1797 أو 1800)، في قرية ( خاك وخؤلَ)
من قرى شهرزور الخيرة والكائنة بين تلتي (قه ره
گول وياسين ته په)
الاثريتين عند ضفاف نهر تانجرو (نهر التاج) حيث نشأ وترعرع هناك وتعلم منذ
صغره مبادئ القراءة والكتابة والمناهج التعليمية السائدة ، فقرأ القرآن
الكريم ودرس الفارسية . ثم جاب وعلى دأب طلاب العلوم الدينية في عصره العديد
من مدن وقصبات كوردستان المختلفة مثل سنه – سنندج، مهاباد - سابلاغ، حلبجة،
قرداغ والسليمانية...
كانت فترة دراسته في ربوع قرداغ التي كانت تعج بالعديد من العلماء والائمة
المرموقين ثرية معطاء في حياته التواقة الى العلم والادب حيث تسنى له
التعلم على يد الشيخ (محمد بن الخياط) والشيخ (علي الملا) الساكن في قرية
تكية الكائنة في منطقة قرداغ الجبلية (في الطرف الجنوبي الغربي من
السليمانية).
كما تعرف نالي اثناء وجوده هناك (في قرداغ) على فتاة من أهل
المنطقة أسمها (حبيبة) فشغف بها حباً وأعجاباً وأصبحت مصدراً لالهامه
وعبقريته الشعرية المتدفقة ، ثم تزوج نالي من حبيبته (حبيبة) التي يتردد
أسمها كثيراُ في قصائده الغزلية الذائعة وأخلص لها من الصميم وظل محافظاً
على ذكراها الحلوة في نفسه وحتى السنوات الأخيرة من حياته التي قضاها
بعيداً عن أرض الوطن الغالي .
واصل نالي تعليمه في السليمانية التي كانت مركز الإمارة البابانية الزاهية
فدرس هناك في جامع السيد حسن عند العلامة ( الملا عبدالله ره ش)، كما دأب
على ارتياد خانقاه الشيخ (مولانا خالد النقشبندي)، مؤسس وحامل لواء الطريقة
الصوفية النقشبندية في وطننا وجواره ، حيث أتقن هناك مباديء وأصول تلك
الطريقة المباركة واصبح من سالكيها . وأخيراُ تسنى له وبعد سنوات زاخرة
بالمجد والكدح ، نيل الأجازة العلمية (الدينية) التي كانت تمنح للمتخرجين ،
فأصبح أستاذاً نابغاً بارعاً في زمانه .
عاصر نالي حقبة مشهودة ومزدهرة من عهد آل بابان الزاهر، وكان مقرباً كثيراً
من الامير( سليمان
پاشا الباباني) الذي حكم الامارة خلال (1828 – 1838)
والذي أشاد بحكمه السائح (مينيان) عام 1830 واصفاً حكمه بالمستقل عن
الاتراك والايرانيين ، كما وصف فريزر (عام 1834) السليمانية في عهده ، بدولة
السليمانية الصغيرة .
وعموماً كان نالي مفتوناً بابهة الامارة البابانية والقها رغم جميع مظاهر
الصراع والتناحر الدموي التي سادتها بفعل مؤامرات ودسائس العثمانين والفرس
وتدخلهم المستمر في النزاعات الداخلية التي عصفت بالامارة مراراً ، وظل (أي
نالي) محتفظاً بتقديره وصيته الكبيرين لدى آل بابان وحتى النهاية ، ولاسيما
من لدن احمد پاشا (نجل سليمان
پاشا) أخر حكام بابان المستقلين والذي أنتهى
حكمه عام 1847 على أيدي الترك الذين عينوا أخاه عبدالله
پاشا قائممقاماً في
السليمانية، وليس كحاكم مستقل ، ثم عزلوه بدوره عام 1851.
كانت فترة أقامة نالي في السليمانية أخصب فترات عمره عطاء وابداعاً والقاً
حيث شهدت ميلاد قمة كلاسيكياته الرائعة التي أرسى بها دعائم مدرسته الشعرية
البابانية الشهيرة والتي كان لزميليه سالم وكوردي شرف المساهمة فيها أيضا .
سافر نالي في آواخر الحكم الباباني ، وبعد سنوات مجده المتألق ، صوب الحجاز
لأداء فريضة الحج ثم أنتقل الى الشام ماكثاً هناك فترة من الزمن حيث أستبد
به الشوق والحنين الجارف لرؤية الأهل والوطن ، فأرسل قصيدته (رسالته
الشعرية) البديعة المؤلفة من 42 بيتاً من الشعر الى زميله سالم يسأله في
نهايتها عن رأيه بصدد عودته الى ديار الأهل والاحبة ، فرد عليه صاحبه بقصيدة
جوابية لاتقل روعة عن قصيدته ، ناصحاً اياه فيها بعدم الاقدام على ذلك في ظل
الظروف البائسة التي آل اليها مصير الوطن عقب احتلاله النهائي من قبل
الترك .
وهكذا قرر نالي المتألم الساخط على المحتلين السفر الى اسطنبول ،
فالتقى هناك بصديقه الحميم احمد
پاشا الباباني وحظي عنده بالترحاب والحفاوة
وغدا أنيس مجالسه العامرة بالضيوف الكورد من الشخصيات والوجهاء والمثقفين
والشعراء ، ونظم هناك مع (عمر أفندي باباجان) الكثير من القصائد .
لكن المؤسف
ان نتاجاته هناك لم تصل الينا والمرجح أنها حفظت عند أسرة الأمير المذكور،
فحرمت بذلك أمة الكورد من تلك الابداعات لتي نظمها في ظروف الغربة والشوق
والفراق عن الوطن .
والمؤكد أن أخبار نالي وتفاصيل سنوات عمره الأخيرة في اسطنبول ، قليلة ولم
يصل منها الينا إلا النزر اليسير، وقد ذكر الاستاذ علاء الدين السجادي بهذا
الصدد، أن نالي كان مقرباً من السلطان عبدالمجيد وسنحت له الفرصة كي يحج
معه مرة ثانية ، حيث اقام مع السلطان في خيمة واحدة اثناء أقامتهما في
المدينة المنورة .
ظل نالي يكابد الشوق والآلام بعيداً عن مهد نشأته ونبوغه وهو يمني النفس في
ارض الغربة ، بالعودة يوماً الى الارض العزيزة التي أنجبته ورعته ، لكن الاجل
المحتوم لم يدعه يهنأ بتحقيق ذلك ، فتوفي في عام 1856 "3" ووري جثمانه الثرى
في مقبرة أبي أيوب الانصاري باسطنبول ، تاركاً من بعده لنا مآثره وعطاءاته
وأبداعاته الخالدة في ذاكرة الزمن.
لمحة عن شخصيته وشاعريته
:
أسدى نالي وكما أوضحنا خدمات جليلة كبرى الى تراث امته الثقافي والأدبي عبر
مبادرته الكريمة الجسورة بجعل لغته الام لغة الشعر والادب في أرجاء الامارة
البابانية التي كانت عاصمتها السليمانية المزهوة بحضارتها وعمرانها وأبهة
حكمها المشرق . واذا علمنا بأن ذلك الانجاز القومي العظيم قد تحقق بعد سنوات
طويلة من هيمنة اللغات العربية والفارسية والتركية على الساحة الادبية
الكوردية التي كانت تعج بالعديد من الشعراء الكورد النابغين الذين فضلوا
استخدام تلك اللغات على لغتهم القومية تبعاً للعوامل والظروف التي أوردناها
في مستهل المبحث ، فأننا سندرك حتماً قيمة وأهمية تلك الخدمة العظيمة التي
أسداها نالي لأمته الكوردية .
وبهذا صحح نالي وضعاً شاذاً خاطئاً ساد طويلاً ولم يكن يتناسب ابداً مع
أبهة وازدهار الامارة البابانية والق حكمها وحضارتها وعمرانها والتي أصبح
لها بفضل هذا الشاعر المبدع مدرستها الشعرية المعروفة والمعتمدة اساساً على
لغتنا القومية لأول مرة ، يوم كانت الشكوك كبيرة فعلاً بصدد اهلية هذه اللغة
على العطاء والابداع واثبات وجودها في ظل هيمنة اللغات المجاورة التي
ذكرناها .
ورغم ان الادب الكوردي قد شهد قبل ذلك التاريخ سطوع أسماء شعراء فطاحل كبار
برعوا في مجال الشعر الكلاسيكي وذاع صيتهم وتأثيرهم في ارجاء واسعة من
كوردستان نذكر منهم جزيري وخاني العظيمين ، فأن المؤكد أن صورة الشعر
الكلاسيكي الكوردي كمدرسة قائمة بذاتها ، لم تكتمل إلا في عهد نالي النابغ
الذي اكسب تلك المدرسة قواعدها وأصولها ومميزاتها الخاصة بها ، وسار على
نهجها من بعده جمع كبير من شعرائنا المعروفين .
أرسى نالي دعائم مدرسته الشعرية الكلاسيكية بالاعتماد على اساليب الأدبين
الفارسي والعربي اللذين كان بارعاً ومتعمقاً فيهما بشكل كبير، ولاسيما
أسلوب الشعر الكلاسيكي العباسي المعتمد أساساً على استخدام البديع وأبراز
الجانب الجمالي (الشكل) على المضمون (الفحوى) ، مستخدماً التفعيلات العروضية
السائدة في زمانه والأغراض الشعرية المتداولة في الأدبين المذكورين كالغزل
والمدح والوصف والفخر والرثاء والتصوف... وغيرهما .
واذا كان ازدهار الشعر الكلاسيكي العباسي، يعبر مثلاً عن مجمل التطورات
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... التي شهدتها مناحي الحياة كافة وخلال
الفترة التي أمتدت فيها الخلافة العباسية (123 ــ 656 هـ) فأن مدرسة نالي
قد عبرت بدورها أيضاً عن أمجاد ومآثر آل بابان وعهدهم البهي في السليمانية
وخارجها .
وهكذا ولدت مدرسة نالي في الشعر الكوردي وبها فرض نفسه أميراً على عرش
الأدب الباباني ، ومن خلالها أكد على شاعريته المقتدرة وعبقريته المشهودة
وباعه الطويل كشاعر موهوب وأديب مقتدر، وانسان عظيم معتد بنفسه ومخلص لشعبه
وثقافته ولغته وحضارته .
كان نالي أديباً حاذقاً مبتكراً وشاعراً مبدعاً حقاً ، ولو فرضنا جدلاً ان
صفة الابداع هي الشرط الرئيسي الواجب توفره في الشاعر، فأنه سيكون اعتماداً
على ذلك أعظم شعراء الكورد قاطبة ! فالشعر بالنسبة إليه كان هو الأصل
والغاية والهدف ، بل وكان بمثابة ولده البكر الحبيب الذي يحتضنه ويرعاه
ويسهر عليه الليالي ، ولن نغالي اذا قلنا ، كان الشعر كل حياته !
أمتاز نالي بلغته وحبكته الشعرية القوية ومفرداته المنتقاة المبتكرة
وتعابيره البليغة الزاخرة بصوره وتشبيهاته ولقطاته البديعة وخياله الرحب
الخصب وموهبته التي صقلتها ثقافته الواسعة وهذبتها روحه التقية واججتها نار
الحب الطاهر التي اوقدتها في فؤاده حبيبته ، (حبيبة) قرداغ .
ورغم حرصه على
الناحية الجمالية في شعره كثيراً ، فأن نالي وفق تماماً في جعله (أي شعره)
محتفظاً بمعانيه العميقة أيضاً عكس الكثيرين من الشعراء الذين كان تفوقهم
في أحد الميدانين على حساب الأخر، وبذلك حقق التكامل المنشود الذي كان
يبتغيه في قصائده شكلاً ومضموناً ، وذلك بفعل شاعريته المقتدرة وتوقه الدائم
الى الصورة الإبداعية المثلى في شعره .
ويقيناً ان المستوى الفني المذهل
الذي حققه نالي في نتاجاته المبدعة يؤكد كونه نموذجاً فريداً خاصاً بين
شعرائنا ، واحد المع ادبائنا الذين اضافوا الى تراثنا القومي اضافات سخية
ومتجددة على مر الزمن . وهو يستحق كشاعر مقتدر وعظيم كل صنوف الامتنان
والتخليد والتمجيد من لدن أمته التي لم يبخل عليها يوما قطً .
لكن المؤسف ،
هو ان نفراً من الادباء "4" وهم قلة على كل حال ، ورغم اقرارهم بشاعريته
الفذة الطاغية ، قد حاولوا جاهدين وبدوافع وذرائع واهية للنيل من شخصية
الشاعر والانتقاص من دوره القومي متهمين اياه جزافاً بحب الذات وتفضيل
اهوائه ومكابداته الغرامية على واجبه القومي ، وميله الى الارتزاق والكسب
المادي والمعنوي في ظل البلاط الباباني .
كما اتخذوا من قصيدته الصريحة
(المكشوفة) التي شهر فيها بالأديبة والمؤرخة مه ستوره خانم "5" ذريعة
للتهجم والسخط عليه . والمؤكد أن آراءً من هذا النمط تشكل تجنياً كبيراً على
شاعر عملاق واجحافاً كبيراً بالدور العظيم الذي اضطلع به في مجال خدمة أمته
وتراثها الحضاري والأدبي عامة ، وأن أصحابها (أي اصحاب مثل هذه الآراء)
يجهلون أو يتجاهلون جملة من الحقائق نلخصها كمايلي :
1-ان نالي هو مبتكر مدرسة شعرية نموذجية ومنهج أدبي رصين عرف به ، وهو
المبادر الاول الى جعل اللهجة الكرمانجية الجنوبية ، لغة الشعر والادب في
محيطه الواسع ضمن السليمانية وسائر ارجاء مناطق سوران "6" وبذلك حقق
انجازاً قومياً مشهوداً وفي ظرف طغت فيه لغات الأمم المجاورة على أدبنا
ولغتنا .
2- نبغ نالي في النصف الاول من القرن التاسع عشر، ولم تكن تلك الفترة عهد
نضج الفكر القومي الذي ساد فيما بعد في مطلع القرن العشرين ، بل كان عهد
إمارة سادتها ، ورغم بهائها ورخائها ، مظاهر التناحر والصراع الدموي على
السلطة والنفوذ وكانت الانتماءات القبلية والاسرية في كامل اوجها و
الولاءات والتبعات تتغير نحو الترك والفرس تبعاً للاهواء والمصالح .
واذا كان هناك شعراء كبار نبغوا في هذا الجانب (القومي) قديماً ونحن نقدرهم
كثيراً أمثال خاني والحاج قادر، فليس عدلاً ان يتخذ ذلك ذريعة للتهجم على
نالي وغيره من الشعراء . ومع هذا فان شاعرنا نالي كان متميزاً من جانبه في
ارتباطه الصميمي بشعبه ووطنه ، وتعد رائعته التي ارسلها من الشام ومدائحه
وتمجيده بحق حكم آل بابان الكوردي المشرق وغيرها من المواقف والبراهين ،
دليلاً ساطعاً على مانقول .
3- لم يكن نالي شاعراً مرتزقاً متكسباً في ظل البلاط الباباني ، بل كان
ملكاً يعتلي عرش الشعر الكوردي ويتقلد تاجاً من الشعر الثمين الفاخر في
عهده وان مدحه وتمجيده للأمير سليمان
پاشا الباباني عقب وفاته عام 1838 ،
وتهنئته لنجله احمد
پاشا الذي تسلم حكم الأمارة خلفاً لوالده، كان بدافع
الحب لهما والاشادة بعدالتهما وشجاعتهما وتعبيراً عن أخلاصه ووفائه لأمارة
بابان الكوردية الاصيلة وحكامها الاصلاء من ابناء هذه الأمة .
4- كان نالي شاعراً مجيداً وكورديا أصيلاً معتداً بمركزه الأدبي والاجتماعي
وثقافته الواسعة ومقدرته على نظم الشعر باللغات الكوردية و الفارسية
والعربية ، مشبهاً نفسه في هذا المجال بالحاكم الذي يحكم ثلاثة أقاليم
مختلفة !. كما أن دعوته للسامعين بعدم التقليل من قيمة اشعاره الكوردية
والتمعن في معانيها العميقة وتصريحه الشهير، بأن من حلاوة اللسان أن يدون
اشعاره بلغته الام ، وغيرها من التعابير الرنانة تدل بشكل جلي على اعتزازه
بشخصيته وشاعريته في مختلف المواقف ولاسيما عندما طلب منه الأمير أحمد
پاشا
الباباني بالتوجه الى محمد
پاشا الجاف وعشيرته بصدد طلب المساعدة منهم
للأمارة في قتالها ضد الترك ،
لكن نالي الذي كان ينتمي الى تلك العشيرة
الرحالة الكبيرة "الجاف" اعتذر عن تلك المهمة مبرراً بان محمد
پاشا وسائر
أمراء الجاف يفضلون الاشعار المنظومة باللهجة الگورانية على اشعاره وأنه
لايرتبط معهم بعلاقات وطيدة تبعاً لذلك ! وعموماً تؤكد تلك المواقف وغيرها
على اعتزاز الشاعر بنفسه ولاتوحي بالغرور وحب الذات باي شكل من الاشكال .
5- ليس بالامكان توضيح الأسباب الحقيقة التي دفعته الى التشهير بالاديبة
المتألقة (مه ستوره خانم) ولربما كان الامر مجرد نزوة شاعر خلال فترة شبابه
أو رد فعل شديد على موقف اثاره جداً ، والمرجح أن تكون تلك القصيدة قد قيلت
يوم كان نالي طالب علم في (سنه) . ولسنا هنا بصدد تبرير الموقف قطعا ً، لكننا
نتساءل اذا كانت قصيدة نالي تلك تبرر هجوم منتقديه عليه فعلاً بسبب ذلك ،
فماذا سيكون حكم أمثالهم على شاعر عظيم آخر كالشيخ رضا الذي كان لسانه يقدح
ناراً وشرراً ، وكيف ينظرون الى النقائض التي ابدعها جرير والفرزدق مثلاً ؟!
والمؤكد ان شاعراً كبيراً مثل نالي يظل يثير المزيد من الاهتمام والجدل
دوماً بأعتباره نموذجاً فريداً في الشعر الكوردي يستحق الاعجاب والتأمل
ورمزاً شامخاً من طراز حافظ وسعدي وسائر عمالقة الشعر الشرقي وهو الذي شبهه
الكثيرون بأبي تمام فصاحة وبلاغة وعده آخرون متفوقاً عليه حقاً ، كما قارنه
المستشرق المعروف مينورسكي بالشاعر بوشكين.!
شذرات من شعره
:
يضم ديوان نالي قصائد رائعة للغاية عالج فيها معظم الاغراض الشعرية
المتداولة في زمانه بكل جدارة وامتياز، وهي تتسم بمجملها بقوتها وبلاغتها
وفصاحتها المفرطة وجمالها المنقطع النظير، وتتجلى فيها قدرة صاحبها
واستاذيته الفذة في التصوير والتعبير وحذقه التام في استخدام البيان
والبديع والجناس والاستعارة وسائر الفنون البلاغية الأخرى التي اجاد فيها
كثيرا.
طبع ديوان نالي "وهو يضم اشعارا عربية وفارسية ايضا" طبع لأول مرة عام 1931
بمطبعة دار السلام ببغداد " من قبل كوردي وموكرياني"، ثم طبع ثانية عام
1948 من قبل " علي مقبل"، وفي عام 1962 اضطلع "گيو
موكرياني" بطبعه
مجدداً في اربيل، فيما بادر العلامة عبدالكريم المدرس ونجله فاتح الى شرحه
والتحقيق فيه وطبعه في مطبعة المجمع العلمي الكوردي ببغداد عام 1976.
والمتأمل لهذا الديوان القيم سيلفت انتباهه (بشكل خاص) هذا العطاء الباهر
في قصائده الغزلية التي تقطر حلاوة وعذوبة ورقة. وكما أشرنا سلفاً في سياق
سيرته، فأن نالي شغف حباً اثناء دراسته في قرداغ بفتاة احلامه "حبيبة" التي
اقترن بها واخلص لها وظلت ملهمة العديد من اشعاره الذائعة الجميلة، حيث
تكرر اسمها في 21 موضعاً من ديوانه، وهي كما اقر نالي بذلك، قد قررت
الاستقرار والإقامة في فؤاده الذي اصبح بفعل ذلك أشبه بجنة المأوى!
جه نانى وه ك جينان كردم به ماوا
حه بيبه ي (مالياوا) مالَي ئاوا "7"
وتقريباً للصورة الغزلية الساحرة التي تميز وأنفرد بها نالي في شعرنا
الكوردي، فإننا ندون هنا ترجمة لاحدى اشهر غزلياته البارعة والتي تكفل بها
خصيصاً للكتاب (مشكوراً) الاستاذ هيمه ت كاكه يي؛
شعرك المنثور حول قدك، غدا اليوم
اشراك متشابكة لصيد هائم مثلي
عمري العزيز هذا، دفعته ثمناً نقداً لك
فواحسرتي وخيبتي على زمن الوفاء الذي مضى
تولهت عمراً طويلاً طامعاً بملامسة غدائرك
لكنه كان عبث الغرام وكذب الاماني
مهما كنت فقيراً عاريا فوالله انني متلهف لمحياك
فالعري هو سبب تلهف اليتيم الى دفء الشمس
حتى (ماني) الكبير "8" يعجز عن تصوير حاجبك
فقوس الحاجب هذا، لم تخطه يد الشر
لم لا أبكي وانت تكسرين خاطري مئة مرة
وكيف لا ينسكب الخمر والقدح مكسور من مئة مكان!
من العبث منعي من النحيب الآن
فقد سن هذا المصير للعاشق من الازل
مارأيت جدولاً لونه قان وطعمه مالح
فذاك حرقة بكائي ودماء عيني التي سالت
تلكم عاطفة فؤادي قد سببت حرارة بكائي
فلا عجب اذن، فالنار تبعث على فوران الماء
(نالي) هو كمثل فرعك "9" راكع تحت قدميك
فلا تؤذي قلبه، أو تهمليه صداً وجفاء
ويحفل الديوان الى جانب قصائده الغزلية بالعديد من القصائد التحفة الأخرى
التي قيلت في اغراض ومناسبات شتى ومنها قصيدته المؤلفة من 74 بيتاً من
الشعر والتي يصف فيها بكل براعة واتقان مسير الحجاج عبر الفيافي والبيد
والصحاري والوديان .
ومنها ايضا قصيدته الشهيرة (سالفة الذكر) التي ارسلها من بلاد الشام الى
صديقه الشاعر الكبير (سالم)، وهي قصيدة طويلة رائعة مفعمة بكل مشاعر الشوق
والحنين الى الأهل والوطن والقدرة على الوصف والتصوير والتخيل فيقول في
خاتمتها؛
واذ اتحدث عن عذاب الغربة وحنين الفراق
يكاد القلب يذوب ويسيل كالماء خلال عيني
فهل الظروف سانحة كي اعود الآن
ام الاولى الانتظار الى يوم ينفخ في الصور "10"
بلغ حبيبتي الجافية خفية وقل لها
ان نالي الملهوف يرسل من البعد تحاياه
كما ابدع نالي أكثر من قصيدة جمع فيها بين اللغتين الكوردية والعربية
مؤكداً من خلالها باعه الطويل كشاعر مبتكر وتبحره التام في كلتا اللغتين،
وكما هو واضح في هذا النموذج؛
يابدر علواً وضياء وكمالا
فالغصن مع الاصل الى فرعك مالا
تاسونبولي زولت له نيهالي قه دت ئالآ
من دووي هه ناسه م كَه ييه عاله مي بالآ"11"
ماعادلك البان، ولا اللينة ليناً
اذ عدلك الباريء حسناً وجمالاً
من كَريه ئه تؤ خه ندة به يه كدي ده فرؤشين
من له على به ده خشان و، ئه تؤ لوئلوئي لالا "12"
وقبل ان نودع هذا العالم الشعري الزاخر بالنقاء والصفاء فلنتأمل شاعرنا في
الختام ، في هذين البيتين (المُترجمين) اللذين يدلان بوضوح على مهارته في
انتقاء مفرداته وتوظيف فكره الفلسفي العميق وثقافته الواسعة في ابداعه
الشعري؛
ياروحي انه محال ان يجتمع الصبر والاشتياق
فهو خارج عن نص الآية التكليف الذي لايطاق
ان التظاهر بادعاء التصبر على وصالك
فهو أما مكر أو دسيسة أو كذب أو انفاق
الهوامش:
1-الميكائيلي، اكبر فروع قبيلة الجاف الكبيرة
2- تختلف التفسيرات بشأن لقب نالي، والمرجح اشتقاقه من لفظة (نال) الفارسية
التي تعطي معاني عدة، وهي تعني بالنسبة لشاعرنا (القلم والمزمار).
3- هناك تضارب بشأن هذا التاريخ وغيره من التواريخ المتعلقة بسيرة نالي،
ففي حين ذكر محمد أمين زكي
بگ و د. معروف خزندار ود. كمال فؤاد وغيرهم بأن
عمر الشاعر أمتد بين (1800- 1856) فأن الاساتذة علاء الدين سجادي وعلي مقبل
وكوردي ومريواني و
گيو موكرياني حددوا ذلك، بالفترة الممتدة بين (1797 –
1855).
واستنادا الى ماذكره الطرفان فان نالي عاش (56 أو 58 سنة) ولكن هناك
شكوك وجيهة حول ذلك أشار اليها الاستاذ فاتح عبدالكريم في مقدمة ديوان نالي
المطبوع (سنة 1976)، حيث استند الى دلائل كثيرة مفادها ان ان شاعرنا لم يمت
عام 1855 أو عام 1856 بل انه عاش طويلا، أكثر من 56 سنة أو 58 سنة كما ورد .
4- أمثال گيو موكرياني ومحمد أمين كاردوخي اللذين شنا هجوماً غادراً عليه.
5- مه ستوره خانم (ماه شرف خان بنت أبو الحسن) زوجة خسرو خان اردلان الذي
تولى ولاية سنه عام 1824، وكانت مه ستوره شاعرة وأديبة ومؤرخة معروفة في
زمانها.
6- تشمل هذه المنطقة أغلب أجزاء كوردستان العراق ومساحة واسعة ضمن كوردستان
ايران.
7- (مالياوا) قرية حبيبته في قرداغ.
8- ماني، رسام إيراني شهير، ادعى النبوة في زمن الساسانيين وقتل شر قتله في
زمن الملك بهرام الاول
9- فرع، جمعها (فروع وافرع) وهي الشعر التام
10- اشارة الى يوم القيامة
11- معنى البيت: ما ان رأيت سنابل شعرك ملتفة حول قدك، حتى ارتفع دخان
أنفاسي الى السماء بفعل حرماني من هذا القد.
12- المعنى: انا اعطيك بكائي ودموعي الدامية وانت تردين علي بالضحك
والاستهزاء والكشف عن اسنانك الشبيهة باللآليء
مـولــوي
"1806- 1882"
الشاعر الوجداني الصوفي الخالد

يتبوأ شاعرنا الخالد الذكر " مولوي " مكانة شامخة و مرموقة بين صفوف مبدعي
أمة الكورد بوصفه شاعراً عبقرياً لامعاً وعالماً متصوفاً جليلاً ومفكراً
ملهماً ترك من بعده لاجيال امته تراثاً أدبياً وفكرياً وروحياً خالداً خلود
الدهر وسجلاً مباركاً بذكرياته وسجاياه وخصاله القويمة الرفيعة.
لقد تربى " مولوي" وتعلم في رحاب العديد من المساجد والكتاتيب ودور العلم
والعبادة المنتشرة في كوردستان الجنوبية والشرقية (كوردستان العراق
وكوردستان ايران) فتجشم في هذا السبيل عناء السفر المديد في حله وترحاله
الطويلين بين جانبي الحدود وتردد بنهم وشغف على مجالس العلماء والفقهاء
والشيوخ الإجلاء المعاصرين له،
وفي مقدمتهم مرشده وشيخه النقشبندي المبجل
"الشيخ عثمان سراج الدين الاول" الذي تعلق به (مولوي) وبطريقته الصوفية
المباركة تعلقاً صميمياً مخلصاً، كما درس " مولوي" وتعلم الفلسفة الإسلامية
وسبر أغوارها وألم إلماماً كبيراً بالمذاهب والمناهج الإسلامية وفروعها
المختلفة وأرتشف كثيراً من الينابيع الرائقة الدافقة للشعراء المتصوفين
الفطاحل من العرب و الفرس
واتقن وأجاد اللغتين العربية والفارسية الى جانب
لغته الام، فترك كل ذلك اعمق الأثر في أثاره الشعرية المتسمة بالثراء
والتنوع والروعة الى حد كبير. كذلك تركت الآلام والفواجع والمحن التي تعرض
لها (مولوي) طويلاً، تركت بدورها اثرها البارز في نتاجاته الخالدة ورفدت
شاعريته بالمزيد من العطاء والابداع والتألق.
ومن خلال تأملنا لمجمل آثاره الشعرية "المنظومة" بالكوردية والعربية
والفارسية فإننا نراه كشاعر رومانسي وجداني وصوفي مجيد وعالم ضليع في قضايا
الفلسفة والعقيدة وعلمي الكلام والمنطق، دون أن ننسى أيضا إن آثاراً
ابداعية كثيرة اخرى للشاعر قد احترقت وزالت من الوجود عندما التهمت النيران
في ظرف مؤسف مكتبته بالكامل فباتت مخطوطاته واشعاره مع غيرها من محتويات
تلك المكتبة المنكوبة في ضمير الغيب...
وهكذا، فان سبحانه تعالى عالم الغيب
والشهادة هو وحده يعلم كم حرمنا بسبب ذلك الحادث من عطاءات وابداعات "
مولوي". ومع ذلك فان ماابدعه شاعرنا المثابر فيما بعد ووصل الينا سالماً
بفضل الله وعونه وهمة المخلصين الغيورين على ابداعاته وآثاره، يعادل اليوم
بالنسبة لنا كنزاً نفيساً غالياً يزخر بكثير من الذهب واللآليء والجواهر
والدرر.
أما على صعيد سيرته الوضاءة وسجاياه وخصاله الرفيعة في الحياة، فأن "
مولوي" ترك لنا في هذا المجال أيضا سجلاً مشرفاً حافلاً بمآثره ومواقفه
العظيمة وذكرياته الطيبة المباركة وأخلاقه العالية التي أضفت على شخصيته
المزيد من القدسية والسمو وساهمت في جعله علماً بارزاً من أعلام هذه الأمة.
فقد عاش " مولوي" ورعاً، وقوراً، زاهداً، شجاعاً في قول الحق، متجلداً أمام
المحن و الشدائد، ظريفاً حلوا الكلام، ودوداً طيب المعشر مع الناس، أميناً،
صادقاُ، منصفاً، متواضعاً، معدماً فقير الحال حتى أخر يوم من حياته، راضياً
قانعاً بحياته البسيطة وغير آبه بمغريات الدنيا واسباب سعادة العيش التي
عرضها عليه الكثيرون،
فكان بحق شيخاً متصوفاً جليلاً وعالماً فقيهاً
متبحراً إضافة الى شاعريته الفذة، فلا غرابة اذن ان يزور ويبجل
التاوگوزيون"1" وسواهم ضريح "مولوي" في مقبرة "صحابة" بقرية"سه رشاته
السفلى" ويحلفون بمرقده وولايته الدينية كشيخ مبارك فاضل خلدته سيرته
المباركة وسجاياه القويمة وآثاره الادبية والفكرية وأخباره وعطاياه الطيبة.
موجز سيرته
ولد شاعرنا السيد عبدالرحيم بن الملا سعيد المعروف بلقبه الذائع ”مولوي"
عام 1806م في قرية (سه رشاته) الجبلية بمنطقة "تاوگوزي" الواقعة ضمن
الحدود الأدارية لقضاء حلبجة في محافظة السليمانية، حيث نشأ وترعرع في كنف
أسرة معروفة من نسل الملا أبي بكر المصنف من أحفاد المرشد السيد " محمد
زاهد" المعروف عندنا بـ (پير خضر شاهو).
كان ”مولوي" صغيراً عندما أنتقلت اسرته الى قرية (بيزاوه) القريبة من مدينة
حلبجة فقرأ وختم هناك القرأن الكريم على يدي والده الجليل، ثم درس وتعلم
المناهج التعليمية السائدة من علوم النحو والصرف ومبادئ اللغة الفارسية
وغيرها. وعلى دأب غيره من طلاب الدين في ذلك العصر، جاب ”مولوي" فيما بعد
مناطق عدة من كوردستان الجنوبية والشرقية بحثاً عن مزيد من العلوم
والمعارف،
فانتقل تباعاً الى مدن؛
پاوه، مريوان، سنه (سنندج)، بأنه ضمن
كوردستان الشرقية، ثم عاد من هذه الأخيرة (بأنه) الى مدينة السليمانية
فأستقر في جامعها الكبير الذي كان يدرس فيها عهدذاك العلامة الشيخ (معروف
النودهي). ومن هناك عاد الى ربوع حلبجة مجدداً ليواصل دراسته وسعيه
المتواصلين في مجال العلم والدين.
وبعد رحلة اخرى الى كوردستان الشرقية
دامت ردحاً من الزمن، عاد ”مولوي" الى مدينة السليمانية مجدداً فاكمل هناك
تعليمه النهائي ونال شهادته الدينية (إجازته الدراسية) عند العلامة (الملا
عبدالرحمن النوتشي) مفتي السليمانية والمدرس في جامع ملكندي.
وبعد أتمام تحصيله الدراسي، عاد مولوي الى منطقته (تاوگوزي) فأستقر بقرية
(چروستانه) التي بدأ حياته العملية فيها كمدرس، وهناك اقترن بزوجته الفاضلة
(عنبر خاتون) التي احتفظ لها مولوي في حياتها بمودة عظيمة، ورثاها بعد
وفاتها بقصائد رثاء رائعة للغاية. وكانت (عنبر خاتون) من افراد تلك الأسر
الافغانية التي نزحت في وقت سابق من بلادها اثر النزاعات التي حصلت هناك في
اعقاب مقتل أزاد خان – كما قيل، فاستقرت (أي تلك الأسر) في بعض قرى شهرزور
وحلبجة ومنها قرية (چروستانه) المذكورة.
والمرجح ان لقب (مولوي) الذي اشتهر
به شاعرنا، قد اطلق عليه من قبل زوجته وقومها (الافغان) الذين دأبوا على
إطلاق مثل هذا اللقب على الشيوخ والسادات ورجال الدين والمتصوفين الاقحاح.
وهناك من يعتقد أيضا بان اللقب هذا قد منح له من قبل (غلام شاخان) أحد
أمراء اردلان "2".
لقد استهوت حياة الزهد والتصوف شاعرنا "مولوي" مبكراً، فتوجه في هذا السبيل
الى قصبة (طويلة) "3" وقابل هناك المرشد (الشيخ عثمان سراج الدين الكبير)
خليفة العلامة المرشد (مولانا خالد النقشبندي) مؤسس ورائد الطريقة
النقشبندية المباركة في كوردستان وجوارها، فنهل "مولوي" هناك (في طويلة عند
الشيخ سراج الدين) من آداب الطريقة والسلوك على نهج المتصوفين الخلص
الصادقين وانخرط بشغف في حياة التنسك والورع والزهد والمقامات والاحوال
واصبح بمرور الايام علماً بارزاً من أعلام هذه الطريقة الصوفية المعروفة
بآدابها وطقوسها المبجلة الخاصة في اداء الذكر والشعائر الدينية.
ولاشك ان النهج الصوفي القويم الذي اتبعه "مولوي" في حياته المباركة وتعلقه
بالشيوخ النقشبنديين الكرام الذين عاصرهم أحبهم واحبوه من الصميم كان له
أبلغ الأثر في أغناء موهبته الشعرية الفذة وترسيخ سمعته ومكانته كعالم
وشاعر صوفي لامع وذيوع قصائده واشعاره وكثرة تداولها بين أتباع ومريدي
الطريقة النقشبندية اينما كانوا.
بعدئذ عاد "مولوي" الى إطراف حلبجة فأستقر أخيراً في منطقة (شميران)
الجبلية التي دامت إقامته فيها طويلاً، بيد ان انتقال إمر إدارة المنطقة
فيما بعدً من شخص (الشيخ علي) الى المدعو (عثمان خاله) وبأيعاز من أمير
الجاف ( محمد پاشا الجاف) لم يعجب شاعرنا فقرر الرحيل من (شميران) والعودة
الى مهد ولادته قرية (سه رشاته) التي قضى فيها سنواته الاخيرة الى ان وافته
المنية عام 1882م اثر حادث مأساوي خارج القرية، فدفن هناك حيث مايزال مزاره
يزار ويبجل من قبل أهل المنطقة وخارجها.
ولحادث وفاته قصة تراجيدية أليمة مفادها؛ ان "مولوي" الذي فقد نعمة البصر
في اواخر عمره، كان عائداً ذات يوم من قرية (بريس) الى قرية (سه رشاته) بعد
ان تفقد هناك (أي في بريس) أحد أصدقائه. وكانت تنتصب بجانب الطريق، قرب
قرية (هانه سوره) القريبة من موطن الشاعر، شجرة توت ضخمة يتدلى منها فرع
أعوج على شكل حاجز فوق الطريق بحيث يجبر ركاب الدواب على إحناء رؤوسهم
وصدورهم تفادياً للاصطدام به.
وكان "مولوي" الفطن متنبهاً لأمر الشجرة فطلب
من مرشده تحذيره حال دنوه منها وهو على دابته. لكن مشيئة الباري تعالى شاءت
عكس ذلك تماماً، اذ نسي المرشد التعس توصية سيده الذي ارتطم أعلى صدره بفرع
الشجرة، فسقط بعنف على ظهره ارضاً حيث أصيب بشدة في عموده الفقري، ثم فارق
الحياة من اثر الحادث المشؤوم.
أحداث ومواقف في حياة "مولوي"
حفلت حياة "مولوي" بالعديد من الاسفار والذكريات والأحداث المشهودة التي
يجدر تأملها والتوقف عندها ملياً واستنباط العبر والدروس منها، بمرها
وحلوها معاً. وسنحاول من جانبنا التطرق الى بعض من تلك الذكريات والمواقف
وتدوينها بايجاز في هذا المجال، لنطلع من خلالها على جوانب هامة من سيرة
"مولوي" الوضاءة وشخصيته المباركة المبجلة وسجاياه وخصاله الرفيعة في
الحياة.
ونستهل عرضنا السريع هذا بالفواجع والمصائب والنوائب التي توالت
على "مولوي" تباعاً وألمته وهزت مشاعره من الصميم، غير انه كابدها بقلب
كبير عامر بالايمان، وظل حيالها؛ متجلداً، صابراً رابكَ الجأش، قوي الشكيمة
وحلو المعشر دوماً، فلم تقدر تلك الأحداث المؤلمة رغم فداحتها ومرارتها، ان
تزحزح شيخنا "مولوي" عن ايمانه العميق الراسخ ومبادئه ومثله العليا في
الحياة،
وظل الى آخر لحظة من حياته العامرة بالتقوى والتصوف والزهد
والابداع نموذجاً للعالم الديني الجليل والمفكر والاديب والشاعر والانسان
الكبير الذي نذر نفسه وطاقاته بكل تواضع ونكران ذات لنفع دينه الإسلامي
الحنيف ولصالح الناس وسعادتهم، غير مبال براحته الشخصية وبمغريات الدنيا
ومباهجها.
و بدلاً ان تقضي تلك المصائب على عزيمة وعطاءات "مولوي"، فأنها
أغنت عبقريته الشعرية بالمزيد من الابداع والعطاء والتألق، فنبدأ اولاً
بحادث إحتراق مكتبته العامرة بكل أنواع الكتب والمخطوطات الدينية والادبية
والفكرية القيمة وبضمنها نتاجاته الشخصية التي ابدعها – لحد ذاك الوقت –
عقله النير وخطها مداده الماهر.
فقد اودى ذلك الحادث المؤسف الذي تعرض له
"مولوي" في قرية (چروستانه) بفعل نشوب نزاع عشائري عم هناك، اودى بكل
محتويات مكتبته تلك (كما أسلفنا) وترك اثراً اليما للغايةً في نفسه. ومثلما
كان الحادث مفجعاً في حياة شاعرنا، فانه كان باعثاً في الوقت ذاته على
حرمان أجيال الكورد من كنوز المكتبة المنكوبة تلك.
علماً ان نتاجات "مولوي"
الموجودة بين ايدينا الأن تعود الى فترة مابعد ذلك الحادث المشؤوم.
ثم نكب "مولوي" برحيل الكثيرين من احبائه وخلانه وبضمنهم زوجته المخلصة
(عنبر خاتون) وبعض أبنائه الذين رحلوا عن الدنيا وهم في ربيع العمر، فرثاهم
(أي مولوي) بعواطف جياشة واحاسيس ملتهبة ممداً ادبنا الكوردي بمرثيات رائعة
خالدة.
ونشير بهذا الصدد، الى ان مولوي كان يقيم في خانقاه (تكية) طويلة –
متعلقاً بآداب واصول الطريقة الصوفية النقشبندية – عندما طلب منه يوماً
العودة الى قرية
چروستانه لتفقد ابنه المريض. وفي الطريق انتابه حزن عميق
وفاضت الدموع من عينيه، ولما أستفسر منه صاحبه في السفر عن سبب ذلك، اجابه
الشاعر التقي الذي امتاز بعقله المنور وحدسه الصائب وبصيرته الحادة، ان
رائحة كفن ابنه العزيز تملأ أنفه تماماً! وفعلاً عندما بلغا القرية كان
الابن المريض ميتاً وقد كفنه أهل القرية استعداداً لدفنه حال وصول والده.
ويبقى حادث وفاة زوجته (عنبر خاتون) أحد أكثر الأحداث ألماً وتأثيراً
وقتامة في حياة مولوي الذي فقد برحيلها الابدي نعم الزوجة المخلصة و
الرفيقة الوفية المتفانية، فأثار الحادث لديه مشاعر مؤلمة وذكريات حزينة
للغاية، وصارت (عنبر خاتون) لحناً حزيناً على وتر قلبه المعذب وملهمة
عبقريته في الكثير من رثائياته وبكائياته التي حفرت أخاديد عميقة في ذاكرة
الشعر الشرقي عموماً.
وشاءت الأقدار ان تتوالى مصائب مولوي المؤمن المتجلد فأصيب في سنواته
الاخيرة التي قضاها في مهد نشأته (قرية سه رشاته) – وتحديداً قبل سبع سنوات
من وفاته – أصيب بالعمى التام، حيث اغمض عينيه نهائياً كي لايرى أكثر من
ذلك فواجع الحياة واهوالها! وقد اودت اصابته بالعمى بحادث مصرعه التراجيدي
لاحقاً وكما ذكرنا سلفاً في سياق سيرته الموجزة.
ونسترسل في سردنا السريع لبعض الذكريات والمواقف المشهودة في حياة مولوي،
فنشير – ولكن بعيداً عن اجوا الفواجع هذه المرة – نشير الى انه توجه ذات
يوم الى مضارب قبيلة الجاف لتفقد صديقه محمد
پاشا الجاف المريض يومذاك،
فطلب منه أمير الجاف ان يدعو له بالخير ويقدم له نصيحة قيمة وهو طريح
الفراش،
فأجابه مولوي، لن أبخل عليك بالدعاء، أما نصيحتي لك فتتلخص بمايلي،
انك ياپاشا تملك أمرين، مال دنياك ودينك. وفيما يخص الاول فأن أبناءك محمود
بگ وعثمان بگ "4" وغيرهما قد قسموه فيما بينهم وانت حي ترزق، أما أيمانك
فأن الشيطان يتربص به، فلاتهتم بأمر مالك لان ثروات الآباء ستؤول للابناء
طبعاً، ولكن حذار من الشيطان ان يسلبك ايمانك!".
يروى أيضاً إن؛ العلامة (الملا أحمد النوتشي) نزل ضيفاً على مولوي ذات مرة
فلم يجد المضيف المعدم الزاهد مايقدمه اثناء العشاء لضيفه العزيز ، فأضطرا
الى قضاء امسيتهما بالحديث والنقاش الى ان غلبهما النعاس فناما جائعين!.
وفي ظهيرة اليوم التالي افلح مولوي في ايجاد بعض اللبن وخبز الشعير اليابس
وتقديمهما لضيفه الذي أثنى على الطعام كثيراً!. فرد عليه مولوي بما ماعرف
عنه من صدق وعفوية وحلاوة روح: ان ضيفاً عزيزاً مثلك يندر اللقاء به في مثل
هذه الايام يستحق حتماً ان يقدم اليه الذ أصناف الطعام كهذإ.
وللتدليل على لطافة معشره وسرعة بداهته وميله للمرح والدعابة البريئة
اللطيفة نذكر أخيرا في هذا المجال ان مولوي حل ضيفاً، على احد معارفه
بمدينة (پاوه)، فلم يهنأ اثناء اقامته عنده بأي طعام طيب يذكر! وعندما هم
بالرحيل رافقه صاحب البيت الى خارج المدينة مودعاً، فقال له هناك: أراك
استعجلت في الرحيل، وأنا كنت عازماً هذا المساء على ذبح خروف لك احضرته
خصيصاً لهذا الغرض... كان من دواعي سعادتي ان نهنأ معاً بتناول الكباب.
فأجابه مولوي على الفور: مادام الأمر كذلك، والله لن أخيب رغبتك، وساعود
معك حالاً حتى نتناول الكباب معاً!". وفعلاً رجع مولوي مع مضيفه الذي أضطر
الى تنفيذ ماادعى به، على مضض!.
مؤلفاته ونماذج من اشعاره:
ترك مولوي من بعده تراثاً شعرياً ثرياً في ميادين شتى ضمتها مؤلفاته القيمة
التالية التي وصلت الينا وهي؛
* الفضيلة، باللغة العربية.
* العقيدة المرضية، باللغة الكوردية (اللهجة السورانية).
* الفوائح، باللغة الفارسية.
وتدخل المؤلفات (الثلاث) المذكورة، في مجال الشعر التعليمي وعلم الكلام،
حيث عالج فيها "مولوي" عدة مواضيع متعلقة باصول الدين والعقيدة والمنطق
والفلسفة الإسلامية وقضايا التصوف، مبرهناً فيها نبوغه وباعه الطويل في
مجال علم الكلام الذي كان أحد اساتذته الكبار. ونشير في هذا المجال الى
مابذله العلامة الملا عبدالكريم المدرس من جهد كبير في أحياء وشرح هذه
المؤلفات (المنظومات) والتعليق عليها والأفاضة فيها وباللغات التي تظمت بها
(أي العربية والكوردية والفارسية).
* ديوانه الشعري المنظوم باللهجة الهورامانية الكوردية والذي يضم قصائده
البديعة المنظومة في اغراض الوصف والرثاء والتصوف والمدح والمناجاة.. وكذلك
غزلياته وخمرياته الرمزية على دأب غيره من الشعراء المتصوفة. وتتسم قصائد
هذا الديوان بمجملها، بحلاوتها وعذوبتها وبلاغتها وبراعة تصويرها وعمق
معانيها وتأثيرها البليغ على المستمع.
ويعود الفضل الكبير في ظهور هذا الديوان (أيضا) وبهذا الشكل الرائع الى
العلامة عبدالكريم المدرس الذي تكفل بجمعه وشرحه وطبعه مشكوراً. كما
لايفوتنا التنويه بالجهد الطيب الذي بذله الشاعر (پيره ميَرد) في نقل هذه
الاشعار التي كان مغرماً بها، الى اللهجة الكرمانجية الجنوبية – السورانية
شعراً، رغم ان الترجمة هذه لاتخلو من النقص والتحوير.
وتضاف الى قائمة مؤلفات "مولوي"، رسالته المكرسة عن اصول الطريقة الصوفية
النقشبندية التي كان هو نفسه من اتباعها البارزين.
وكما يبدو فأن مؤلفين آخرين له وهما "خواطر مولوي والرابطه" قد ضاعا ولم
يصلا الينا، هذا ناهيك عن اشعاره وأثاره الأخرى التي التهمتها النيران في
قرية " چروستانه " كما اشرنا.
وتشكل آثاره الشعرية الموجودة بين أيدينا الأن عالما رحباً زاهيا الى حد
كبير، وان الإلمام والاحاطة به سيحتاج حتماً الى أكثر من بحث معمق ودراسة
مستفيضة جادة. ومع اقرارنا وعلمنا بقصور جهد متواضع من نمط جهدنا هذا من
تحقيق هذا الغرض، فلا ضير أن نقوم هنا بجولة سريعة في رحاب هذا العالم
الملون بالنقاء والصفاء لنختار منه شذرات من الشعر العذب الجميل مستهلين
بهذا المقطع الذي بدأ به مولوي مؤلفه الفضيلة، معبراً عن دهشته وحيرته ازاء
عظمة الخالق القدير فينطق لسانه عنه (أي عن الباري عزوجل) بمفردات الشكر
والتسبيح،
بسم الله الرحمن الرحيم
من تاه فيه نهيه الحكيم
معطي جلائل العطايا والنعم
مولي دقائق المزايا والكرم
الحمد لله الذي أبدانا
من عدم، ارواحاً وابدانا
وننتقل بعد هذا الاستهلال السريع الى ديوانه الشعري الذائع "المنظوم
باللهجة الهورامانية" لنواصل به جولتنا هذه"5" فنشير الى ان الطبيعة
الكوردستانية الجميلة تغطي مساحة شاسعة من ديوان شاعرنا الذي عشق هذه
الطبيعة الساحرة وافتنن بها وجسدها وصورها من خلال شاعرية ملهمة قلما ظفر
بها شاعر كوردي أخر قبله وبعده.
ان صوت مولوي الشجي في وصف الطبيعة وابراز الجمال الكوردستاني الخلاب كشاعر
رومانتيكي عظيم، يظل احدى المآثر الكبرى في الشعر الكوردي، فالروائع التي
صاغها خياله الحالم تضعه رائداً لمدرسة (شعر الطبيعة) في الادب الكوردي
وبانياً للبناتها الاولى، فأوصلها الى ذرى المجد والتألق مما جعل الكثيرين
من مبدعي الشعر الكوردي يتأثرون ويعجبون به في هذا المجال ويسيرون على
دربه، كل بحسب اسلوبه وطريقته وموهبته، أمثال
گوران وپيره ميرد ونوري شيخ
صالح وديلان"6"
فلنستمع اليه وهو يصف سواقي الربيع هكذا،
لقد هامت سيول الربيع على نفسها
طاوية السهول والوهاد
كأنها عاشق جنة الوجد
كأن امتداها اللانهائي
فراق العاشقين
كان صفاءها وعمقها
لقيا عشاق هائمين
أو كما يقول في فراق صاحبته؛
أواه كان اللقاء... محالاً
حتى الركب عاجز عن ايصالي اليك
ان آهات النوى أضرمت في ناراً
فحولتني حريقاً.. هشيماً
حتى النسيم لاينشر رائحة احتراقي
بربك ايها الخريف
اجعل من اصفرار اوراقك الذاوية
ازارها الذهبي
وانت ياجليد الجبال كن مرآة
كي تعكس بريقها الأخاذ
ياغيوم الوديان والذرى
كوني خماراً فوق وجهها الألق
ومثلما برع مولوي وتفنن في اشعاره الرومانسية، فأنه أجاد وابدع أيضا في
اشعاره الصوفية التي جاءت معبرة تماماً عن ايمانه الصادق العميق وتمسكه
المخلص بالطريقة الصوفية النقشبندية ومرشدها الشيخ عثمان سراج الدين
الطويلي خليفة المرشد مولانا خالد النقشبندي فابدع (مولوي) قصائد صوفية
غاية في الروعة والاتقان والتي نستشهد من احداها بهذه الأبيات التي تصور
روحه الحيرى الباحثة عن دفء اليقين ورضا الخالق في خضم تعالي صيحات
المريدين وحلقات الذكر ونقر الدفوف وآهات المجذوبين،
هذه ليلة العشاق والاصحاب
فانقر عل صفح دفك ايها الدرويش
في خضم النقر
انثر النصائح والعتاب
على الاصدقاء والخلان
ووجه التوبيخ الى "المعدوم"
وقل له،
ايها الأبله انك تملك قلباً
غافلاً تائهاً
فاترك سباتك قاصداً ذكرى الأله
ان لاتبصر عيناك العشيق،
لأن أصابتهما، غشاوة اتربة الاغيار!
فأنثر فوقهما، رذاذاً من ماء
ساقية حقول القلب
علهما تتطهران وتبصران العشيق
وكما اسلفنا، كابد مولوي نوائب الدهر ومصائبه التي توالت عليه تباعا،ً بقلب
شاعر رهيف الحس، صادق العاطفة وبفكر صقلته تجارب شتى، فأمد أدبنا الكوردي
بروائع خالدة من مراثيه البليغة والمفعمة بالوفاء والاخلاص والتي جعلته
علماً بارزاً من أعلام هذا الغرض في الشعر الكوردي بل وفي الشعر الشرقي
برمته أيضا.
فهو لم يبك عزيزته (عنبر خاتون) فحسب بل بكى بكل جوارحه وأحرفه
وكلماته فقد أصدقائه وخلانه ومعارفه، فرثاهم جميعاً بقصائد معبرة تجسد
اصالة شعره وصدق احساسه، مثلما رثى رحيل عينيه الابدي وبكى ظلام حياته
بكاءً حاراً.
ولنسمعه في ختام موضوعنا هذا كيف يبكي زوجته الراحلة (عنبرخاتون) التي
رثاها في العديد من مراثيه وبكائياته الذائعة الخالده؛
ياقلبي المترع بكؤوس هواها
انت الأن طريح رمسها الابدي
امسى مربعك
اوكار ضفائر تضوع مسكاً
ياقلبي الهائم كالفراشة
حول شمعة مزارها..
كن رسولاً
لأهات جوارح ذاوية
ابلغ رمس ليلاي؛
باني لمحت صاحبك
بقلب ولهان وعين دامعة
وخاطر غشتة غمام الاحزان
وجسد شبت في ثناياه
ضرام نار..
تعلو بمائة ايقاع
كل حين..
الهوامش:
1-التاوگوزيون، نسبة الى منطقة تاوگوزي التي ينتمي اليها مولوي، والمنطقة
هذه تضم العديد من القرى في الجانب الجنوبي الشرقي من حلبجة عبر "نهر
سيروان" في كوردستان العراق و
كذلك داخل الحدود الايرانية المقابلة "ضمن كوردستان الشرقية".
2-وربما جاء لقب "مولوي" انعكاساً لمظهره الخارجي أو تعريفاً لما تنطوي
عليه خصوصيته الشخصية في مظهره، ان المولوية كما وردت في المعاجم هي قلنسوة
من صوف مستطيلة يلبسها "مولوي"، وتعني لفظة مولوي هذه؛ ولي ومولى أي
المتصوف الطاهر من ارجاس النفس الأمارة بالسوء. ويقال ان شاعرنا "مولوي"
دأب على ارتداء رداء عريض وفضفاض بدون اردان من الصوف الاحمر – أي مايسمى
فه رنجى بالكوردية – وهو على شكل معطف طويل مصنوع من الصوف – اللباد – كثر
استعماله بشكل خاص عند الرعاة في كوردستان.
أما مولوي نفسه فأنه لم يعتد على تعريف نفسه بهذا اللقب، بل دأب على تذييل
الخطابات والرسائل التي كان يحررها في مناسبات عدة؛ بـ "المعدوم –
عبدالرحيم الحسيني – المعدوم عبدالرحيم – المعدوم الحسيني". كما ورد لقب
المعدوم في ثنايا اشعاره أيضا.
3-طويلة؛ قصبة حدودية جميلة تقع مع شقيقتهيا بيارة وخورمال في الجانب
العراقي من منطقة هه ورامان الكوردستانية الجبلية "ضمن حدود حلبجة
الإدارية" وتعد طويلة وبيارة وكذلك قصبة (دوروه) في الجانب الايراني من
منطقة هه ورامان، تعد من موائل الشيوخ النقشبنديين الكرام الذين شيدوا هناك
تكاياهم ومساجدهم ومدارسهم الدينية الذائعة في عهدها.
4- نال الاثنان لقب الپاشوية فيمابعد من العثمانيين واصبحا يعرفان بـ
(محمود پاشا الجاف، وعثمان
پاشا الجاف).
5- لابد من التنويه بان معظم المعلومات المتعلقة بديوان مولوي المذكور
"الواردة هنا في هذا المجال تحديداَ " مقتبسة من البحث القيم "بحثان في
الادب الكوردي، الادب المقارن والنقد التطبيقي، مولوي شاعر رومانتيكي
متصوف" من أعداد الباحث رؤوف عثمان، وبضمنها أيضا المقاطع الشعرية المترجمة
المختارة، مع وافر تقديري للاخ الباحث وجهده المتميز.
6- يمكن القول ان المرحلة الاولى من نضوج الشعر الرومانسي الكوردي قد تمت
ودشنت على يد (مولوي)، فيما تمت المرحلة الثانية منه على يد الشاعر
(گوران) فيما بعد.
أحمد مختار الجاف

ولد شاعرنا في ربوع حلبجة الجميلة عام 1898 م ، واسمه الكامل هو احمد
بگ
بن عثمان پاشا بن محمد
پاشا بن كيخسرو
بگ ، أما عن لقب الـ (( مختار ))
المرادف لاسمه فانه كان شائع الاستعمال قديما مع تسمية (( احمد )) وذلك
تحببا الى الاسم النبوي الشريف((
احمد المختار ))
كان والده من ابرز أمراء الجاف واتسم بخلق الرفيع كما اسلفنا أما والدته ((
عادلة خان )) ، التي وصفت بأنها ملكة شهرزور غير المتوجة فانها كانت من نسل
أمراء اردلان وعرفت بتأثيرها ونفوذها الواسعين ومشاطرتها لزوجها في تصريف
الامور وكانت صاحبة السلطة الحقيقية في غيابه بسبب اسفاره الدئمة الى مدن
السليمانية وكركوك وبغداد تبعا لوظائفه ومسؤولياته
واضا الى ذلك اتسمت تلك
السيدة الفاضلة بولعها الفني والأدبي والتجاري ورعايتها لمجالس الشعراء
والنابغين ، وحضيت باهتمام واعجاب الرحالة والباحثين أمثال : ادموندز
وميجرسون ومينورسكي وغيرهم ولقبتها الادارة البريطانية بلقب (( خان بهادور
)) الهندي.
نشأ شاعرنا احمد
بگ في كنف اسرته الثرية المعروفة تلك وتوفرت له طفوله
هانئة وفرص الحياة الرغيدة المترفة ودرس منذ صغره القرآن الكريم المناهج
المتداولة . ولان اسرته كانت حريصة على توفير افضل فرص التربية والتعليم له
، فقد هيأت له المدرسين الخصوصيين الذين علموه على الأغلب مبادئ واصول
اللغات المتداولة ، وتبعا لذلك واستنادا الى نبوغه وذكائه تعلم احمد
بگ
العربية والفارسية والتركية ونزرا من الانكَليزية .
وعموما كانت فترة نشأته وبلوغه سعيدة للغاية حيث مارس الفروسية والرماية
وشغف برحلات الصيد والمرح وجلسات السهر والغناء والموسيقى وسط ارجاء حلبجة
الحالمة ، ثم قطع تعليمه بعد ان نال قسطا منه ليتفرغ لشؤون اسرته والاشراف
على ممتلكاتها الواسعة .
وبالنظر لاختلاطه المبكر بمجالس الادباء والشعراء في ظل اسرته المضيافة فان
ثقافته ومداركه قد توسعت الى حد كبير ،ولا شك ان اهتمامات والديه الثقافية
واعجابه بالمخطوطة الادبية القيمة التي انجزها عمه محمود
پاشا والمسماة بـ
(( الكشكول )) وتاثره باشعر شقيقه طاهر
بگ ومولوي ونالي وحافظ وسعدي
الشيرازي وافتتانه بمباهج حلبجة وسحر طبيعتها ، قد ساعدت جميعا على تفتح
قريحته الشعرية الاصيلة وصقل موهبته الفذة .
وقد استهوته حياة الشباب في مطلع نبوغه وعبر من خلال قصائده الرقيقة العذبة
في تلك الفترة عن عواطفه الجياشة واحاسيسه المتدفقة نحو الحب والحياة .
تزوج شاعرنا وهو في العشرين من عمره ولكونه كان شابا موهوبا ، طموحا ، فقد
دخل معترك الحياة السياسية والاجتماعية مبكرا وشغل منصب قائممقام حلبجة
واكثر من مرة ، خلال 1919-1924 ثم اصبح نائبا في البرلمان العراقي وتقلد
وظائف مهمة اخرى اضافة الى كونه اميرا نابغا من أمراء الجاف الشباب .
عموما كان شاعرنا شابا وسيما ، لطيف المعشر ، دمث الخلق ، شجاعا ، عادلا ،
مناصرا للفقراء والمظلومين .
كما كان كرمه الواسع مضربا للامثال والحكايات وعرف عنه ايضا بأنه كان يستغل
مناصبه وامتيازاته لنصرة الحق وخدمة الناس اجمعين
.
أما مواقفه الوطنية والقومية المشهودة والتي نخصص لها حيزا مناسبا في بحثنا
هذا ، فانها جديرة بالإطراء والاعجاب حقا ُ.

أحمد مختار
بگ مع جماعة من الثوارالجاف
ظل احمد
بگ مواظبا على نهجه
القويم في الحياة وحتى الرمق الاخير من حياته ، عندما اغتالته رصاصة غادرة
اطلقها عليه مجرم آثم عند ضفاف نهر سيروان عام 1935 وكان يبلغ من العمر 37
عاما وهو في ذروة عطائه وعنفوانه وقد دفن جثمانه قريبا من شقيقه طاهر
بگ
في مقبرة (( عبابه يلي )) القريبة من حلبجة .
خصاله الوطنية والقومية وتعلقه بالشيخ محمود الحفيد :
رغم ان احمد بگ كان موظفا حكوميا رفيع الشأن واميرا قبليا معروفا ، حضي
بامتيازات وممتلكات واسعة في ظل اسرته الارستقراطية المالكة والمقربة من
السلطة وتوفرت له فرص الحياة المترفة التي كان الكثيرون يحلمون بها ، فانه
كان دوما نموذجا للانسان البسيط المتواضع والمناضل الوطني الشريف الذي نذر
حياته ومقدراته من اجل خدمة الشعب والوطن .
وكان في قرارة نفسه ناقما على المحتلين الاجانب واركان الحكم الفاسد ورافضا
كل مظاهر الظلم والبؤس والتخلف التي كانت تضيق الخناق على ابناء شعبنا .
وعلى العموم كان شاعرنا متمردا حقيقيا على النظام السياسي والاجتماعي
السائد الذي كانت اسرته تتمتع في ظله بالنفوذ والسلطة والتكريم .
ويعتبر موقفه المناصر للشيخ محمود الحفيد ، المعروف بانتفاضاته المتكررة
على المحتلين والانگليز وحلفائهم من رموز العهد البائد ، اصدق دليل على
نهجه الثوري السليم وموقفه الوطني القويم .
كان احمد بگ واحدا من نخبة اكابر قبيلته الذين هبوا لاستقبال ومباركة
الشيخ المجاهد عقب عودته من منفاه عام 1922 .
وبعد الانتكاسة الثانية
لانتفاضة الشيخ واحتلال السليمانية مجددا من قبل الانگليز عام 1923 ولجوء
الثوار مع زعيمهم الى الجبال المتاخمة ، اثر شاعرنا مصاحبتهم والتضحية بكل
مناصبه ومصالحه في هذا السبيل مفضلا حياة الكهوف والجبال على امتيازاته
الواسعة .
وكما كان سخاؤه الواسع وبالاعليه حيث عرضه الى ضائقات مالية حادة احيانا ،
فان موقفه الوطني الصميمي كلفه غاليا ايضا عندما تمكن بعض المغرضين من
اثارة شكوك الشيخ وضغينته عليه والذي اصدر امره بحبس الشاعر في احدى زوايا
كهف (( جاسه نه _3_ )).
ويبدو أن أولئك الوشاة اقنعوا الشيخ بان أميرا وموظفا كبيرا من نمط احمد
بگ لا يمكن أن يكون مواليا للثورة وان وجوده الحالي يبيت أمرا مشبوها
وغرضا خطيرا !.
وبعد فترة وجيزة من حبسه اطلق سراحه حينما وجه الشاعر للشيخ قصيدة رائعة
طلب فيها الصفح والمعذرة عن جرم لم يرتكبه قط ثم أثبتت الأيام اللاحقة عن
صدق الشاعر وبطلان وشايات الحاقدين المغرضين . ونورد بهذا الصدد أبياتا من
قصيدته الموجهة إلى الشيخ الحفيد والتي يقول فيها :-
يا نسيم الصبا خذ عرض إخلاصي وطاعتي وتمنياتي
الى حضرة الملك في ربوع السليمانية كلها
قل له فداك نفسي يا صلاح الدين الأيوبي
أنت مثل حيدر بقوة يديك وسيماك يوسف ثاني
ثم يضيف في النهاية :
أني اعد الحبس هذا فخر لي شرط ان يضل
زعيم الكورد على لطفه السابق تجاه عبده
بذات الطاهر الذي لاشبيه له وبنور احمد المرسل
استحلف حضرتك ، سيدي وبكل آيات القرآن
ان تتفضل بلطفك وجودك بالصفح عن عبدك
هذا وتغض الطرف عن جرحه وسهوه ونسيانه .
ولاشك ان حيفا كبيرا قد لحق بشاعرنا المرهف الحس جراء حبسه في تلك الفترة
بسبب التهم التي لفقت ضده ، ولكنه رغم ذلك ظل مواليا ووفيا للشيخ حتى مماته
ولم يسمح لنفسه يوما ، وهو الذي عاد اليه نفوذه ومناصبه لاحقا ان يوجه لوما
أو نقدا إلى شخصية الشيخ الذي انتكست انتفاضته مجددا وعاش ظروفا صعبة ،
حالكة يوم كانت الأقلام المأجورة الحاقدة تشن ، وبدعم من السلطات والمحتلين
هجوما غادرا عليه .
وبالمقابل كان الشيخ الثائر مقدرا لهذا الموقف الأصيل من جانب احمد
بگ وظل
يذكره بالثناء والاعجاب واحتفظ له بود خالص طيلة حياته المباركة .
وتشمل نتاجات احمد
بگ الادبية الموجودة بين أيدينا الآن ، ديوانه الشعري
المطبوع اكثر من مرة وقصته (( مسألة الضمير )) التي طبعت أول مرة عام 1970
، وللشاعر مجموعات شعرية اخرى ولاسيما باللغة الفارسية اضافة إلى مسودتي
قصتي وقد ضاعت جميعها ، وان المحاولات الجادة التي بذلت لإيجاد هذه الآثار
القيمة التي طواها الضياع والنسيان ، لم تجد نفعا لحد الآن .
مختارات من ديوانه الشعري :-
كان احمد مختار الجاف شاعرا نابغا اصيلاوقد استطاع بموهبته وثقافته وذكائه
المتقد أن يتبوأ مركزا مرموقا بين ادباء الكورد عموما ،ورغم انه لم يعش
طويلا حيث اختطفته الاقدار مبكرا ورغم ضياع الكثير من ابداعاته شعرا ونثرا
كما اسلفنا فان آثاره الباقية تشهد له بالكفاءة والاقتدار .
وفي الوقت الذي يعد شقيقه طاهر
بگ من الشعراء الكلاسيكيين الكبار فان احمد
بگ ينظر اليه كواحد من الشعراء المجددين في هذه المدرسة الشعرية الرصينة .
لقد استهل شاعرنا بداياته الشعرية بالغزل والوصف وقد برع فيهما لاسيما في
ميدان الغزل الذي أبدع وتفنن فيه وتمتاز أشعاره في هذا الميدان بالرقة
والشفافية وتزخر باجوائها الساحرة وتشبيهاتها وصورها البليغة وهي تعبر
عموما عن مشاعر الشوق والوجد والعتاب والاعجاب نحو الحبيبة الفاتنة الجاحدة
والافتتان بجمالها المحير للألباب والعقول .
ومن رياض شعره الغزلي الجميل نختار أبياتا معبرة من هنا وهناك للتدليل على
براعة الشاعر وباعه الطويل في هذا السياق ،ونبدأ بمطلع احدى قصائده
المتاججة بالشوق والعاطفة :-
بفضل قبلات شفاهك لن اشتهي العناب والسكر
ما أن يطل وجهك لن اتطلع ابدا إلى وجهي الشمس والقمر
وفي البيت التالي يطلق العنان لخياله الجامح ليبالغ ويصور حبيبته وكانها
اجمل من الشمس :-
حينما اطلت فاتنتي حتى ولت الشمس على عجل
مصفرة من الخجل عازمة على الانزواء خلف الجبال
كان شاعرنا مولعا كثيرا بذكر مفردات التضحية والفداء والوفاء التي تحويها
قصص العشاق المتداولة لدى شعوب الشرق كقصتي (( شيرين وفرهاد )) و (( مجنون
وليلى )) ونذكر بالبيت الوارد كمثال على ذلك :-
حينما تزدهي الشقائق في(( بيستون )) ، ولحد ألان
فإنها تحكي قصة الدم المراق من الاعين وحرقة قلب فرهاد
حقا أن ، أن احمد
بگ: كان شابا محبا رقيقا في ربيع حياته وعليه كان حريصا
في انتقاء اعذب كلمات الغرام والهيام وارقاها ، وكما يقول :
يحب أن يكون الورق من صفحة الورد والقلم من العنبر
اذ اود انا ألان فـــــــي تدوين وصــف سيــمــائــك ...
اذا كان شاعرنا قد شغف بالغزل في البداية ،فان سنوات عمره اللاحقة قد اثرت
فيه كثيرا وجعلته يتحول الى ميدان الشعر الوطني والقومي السياسي الذي كرسه
للدفاع عن قضايا شعبه ونصرة حقوقه وتطلعاته العادلة المشروعة .
أن القصائد التي نظمها الشاعر في هذا المجال تعد انعطافا حاسما في حياته
التي نذرها من اجل مبادئه ومثله العليا ومضحيا من اجلها بكل طاقاته
وابداعاته وحتى اليوم الاخير من حياته المعطاء.
لقد حفلت قصائده الوطنية بالمعاني النضالية الخالدة وصور الشهادة والاخلاص
في سبيل كوردستان وشعبها المظلوم الكادح وكما ورد في البيت التالي :-
في عيد الاضحى من كل عام يقدم الناس القرابين
وانا اقدم روحي للوطن كل يوم مائة مرة قربانا
والمتأمل لقصائد احمد
بگ َفي هذا المجال ستلفت انتباهه حتما اللغة الخطابية
الحماسية التي تميز بها الشاعر وتعابيره الثورية الصادقة التي تعكس حسه
الوطني الاصيل وتعبر عن روحه التواقة للتحرر والانعتاق ، وتعتبر قصيدته ((
استفيقوا من النوم )) تحفة اشعاره الوطنية ونورد مطلعها الذي يقول :-
استفيقوا من النوم يا معشر الكورد الوقت متاخر والنوم ضاربكم
وتاريخ العالم كله شاهد على افضالكم وابداعكم
وكان شاعرنا بارعا ايضا في تعبير مشاعر الالم والحزن على مصير وطنه الجريح
الممزق في ظل المحتلين الاشرار ويتجلى هذا الموقف كثيرا في شعره :
يتناهى الى سمعي صوت حنون مفعم بالبكاء والشجن
انه انين قلبي من فرط حسراته على ارض كوردستان
كما كان سباقا لانتقاد مظاهر البؤس والتخلف التي كانت تسود المجتمع وكان
شجاعا في فضح الرجعيين والانتهازيين الذين لم تهمهم الا مصالحهم :
ايها الشاعر دع الحديث عن لهو العشاق
كيف أن بعض الناس دابو على تخريب الوطن
يقوم الجهلة نهارا وليلا ومن اجل منافع ذواتهم
بمنع العلم والمعرفة والصنعة في هذا المحيط
ثم يقول :-
لقد استدار الفلك بالشكل الذي اصبحت فيه الغلبة للجهلة
وتحلم فيه الهررة والثعالب بمقام الاسود
واضافة إلى ذلك فانه قد اجاد ايضا في اشعاره الاخرى الفلسفية والصوفية
وغيرها نمن الاغراض ، ولا ننسى ايضا أن احمد مختار الجاف قد ترك لنا قصة
خالدة اسمها (( مسالة الضمير )) وهي تشغل مكانة بارزة في تاريخ القصة
الكوردية.
الملا عبد الكريم المدرس
(1902 – 2005)
سيرة وضاءة بألق الأيمان والفكر والقلم
العلامة الفقيه والمربي الفاضل والباحث والمؤلف القدير، الملا عبد الكريم
المدرس هو أحد ألمع علمائنا العابدين وشيوخنا المجتهدين المثقفين الذين
خدموا كثيراً مسيرة العلم والفكر والفقه والتصوف والشريعة والأدب في هذه
البلاد وطيلة العشرات من السنين من عمره المديد المبارك والحافل بجهاد
الروح والفكر والعقيدة والقلم، فتبوأ بجدارة واستحقاق مكانته الروحية
والعلمية والفكرية المرموقة التي عرف بها على صعيد كوردستان والعراق
والعالم الإسلاميي أجمع وحظي بسمعته الطيبة العطرة التي تعدت الحدود
والأفاق.
لقد درس شيخنا الملا عبد الكريم المدرس وربى خلال مسيرته التربوية
والتدريسية الطويلة المظفرة جمعاً غفيراً من أبناء الكورد وغيرهم، وتخرج
على يديه – منذ أن كان مدرساً في خانقاه بيارة "1" وحتى الآونة الأخيرة في
بغداد، جمعُ كبير من علماء الدين والمدرسينً من كوردستان الجنوبية والشرقية
والعراق وسوريا وتركيا وجنوبي شرقي آسيا واندونيسيا وشعوب البلقان
المسلمة... فأستحق بشرف وجدارة لقب المدرس الذي أطلق عليه وعرف به.
كما عرف شيخنا عبد الكريم المدرس بكونه إماما وخطيباً بارعاً له شرف
الريادة والمبادرة في تلاوة خطب الجمعة باللغة الكوردية الأم، وعالماً
فقيهاً فطناً متبحراً حسم المئات من المسائل الفقهية والشرعية الهامة، وشرح
وأفاض في الكثير من المواضيع الدينية والاجتماعية ذات العلاقة بحياة
المسلمين وشؤونهم.
وفضلاً عن هذا كله كان شيخنا الملا عبد الكريم باحثا
ضليعاًً ومؤلفاً فريداً من نوعه أنجز العشرات من المؤلفات القيمة الهامة في
حقول العلوم الإسلامية المختلفة والتفسير والتراث والأدب الكوردي والمناهج
المخصصة للتدريس في المدارس الدينية (باللغات العربية والكوردية والفارسية)
... وغيرها من المؤلفات.
ومن مآثره المشهودة في هذا السياق (وما أكثرها)
نشير إلى سعيه الدؤوب والحثيث لتعليم أبناء أمته الكوردية المسلمة، دينهم
الحنيف بلغتهم القومية الأم، حيث ترجم في هذا السياق الكثير من العلوم
الإسلامية إلى الكوردية فأفاد بذلك أبناء الكورد خيراً ونفعاً.
كذلك عرف
شيخنا بمبادرته إلى تدريس طلبته؛ الحساب والهندسة والفلكيات والمذاهب
الإسلامية المختلفة، وبأنه أول من استقدم إلى مساجد كوردستان كتب؛ بداية
المجتهد، الفقه على المذاهب الأربعة، التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول
"ص".
والحق كان شيخنا المفضل عبد الكريم المدرس علماً بارزاً من أعلام الكورد
والعراق في تاريخنا المعاصر، وقدوة مباركة لابناء هذا الدين الحنيف في
كوردستان والعراق وسائر بلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومدرسة
عامرة بالعلم والأدب والتصوف والخلق الرفيع شرعت أبوابها دوماً لعشاق
المعرفة والحقيقة في هذا الزمن الرديء.
وأما على صعيد خصاله وسجاياه الفاضلة التي عرف بها طيلة عمره الحافل الطويل
فأن شيخنا العزيز الملا عبد الكريم المدرس كان مثلاً اعلى في الورع والزهد
والتقوى والحكمة وقول الحق ورجاحة العقل والصبر على الشدائد والتواضع
والسماحة وانفتاح الفكر ولطافة المعشر ونبذ التعصب والتطرف والغلو في الدين
وعدم المهادنة مع المتجبرين والمتسلطين وأعداء الدين واعتزازه الدائم
بانتمائه القومي الأصيل لشعبه الكوردي إلى جانب إخلاصه ومودته لشعبه
العراقي بكل قومياته وطوائفه، ومحبته لسائر أبناء المسلمين في جميع أصقاع
المعمورة وغيرته عليهم جميعاً.
وهكذا عاش شيخنا الملا عبد الكريم المدرس وجاهد وأعطى وابدع في أحضان هذا
الوطن العزيز الذي تعلق به تعلقاً صميمياً ولم يشأ مغادرته إلا مرة واحدة
لغرض أداء فريضة الحج في أواخر عقد الستينات"2" فحظي تبعاً لذلك بكل هذا
الود والتقدير والتمجيد الذي خصه به أبناء شعبه العراقي جميعاً.
فهو كان مفتي العراق المتعارف عليه من علماء الدين من اهل السنه (رغم عدم
وجود هذا المنصب في العراق رسمياً) ورئيس رابطة
علماء العراق لعدة عقود،
رغم عدم تمكنه من ممارسة نشاطه في هذه الرابطة لفترة طويلة بسبب مرضه
وملازمته الفراش في غرفته الخاصة بمقام الشيخ عبد القادر الكَيلاني "قدس
الله سره العزيز"، هذا إضافة إلى عضويته في المجمع العلمي العراقي/ الهيئة
الكوردية لردح من الزمن.
كما اختاره مؤخراً رغم مرضه، اكثر من ثلاثة آلاف
عالم ديني سني قدموا من مختلف مناطق العراق إلى بغداد، اختاروه رئيساً
للأمانة العامة للإفتاء و التدريس والبحوث والتصوف. علماً انه أعلن قبل عدة
اشهر من وفاته، اعتزال إصدار الفتاوى والإدلاء بالأحاديث الصحفية وعدم
ممارسة أي نشاط من خلال القنوات الاعلامية وذلك لسوء حالته الصحية وتفادياً
لاستغلال اسمه وصيته من قبل بعض الجهات ولاغراض كان لايراها مشروعة.
ولأن شيخنا الملا عبد الكريم عاش مخلصا حقيقياً لدينه وعلمه ومثله العليا،
زاهداً ومتصوفاً في دنياه ومترفعاً تماماً عن مغرياتها الزائلة فان كل ما
تركه من بعده من ممتلكات هذه الدنيا لم يتعد سريره البسيط وبعض لوازمه
اليومية وقليلاً من النقود في دولابه (مرتب شهرين من راتبه التقاعدي)، في
غرفته بالحضرة الگيلانية الشريفة، إلا انه بالمقابل ترك لنا جميعاً كنزاً
عظيماً من مؤلفاته الغالية وسجلاً حافلاً بعطاياه وسجاياه وذكرياته الخالدة
التي تعتز بها أجيال أمته وشعبه على مر الدهور والعصور.
ويقيناً أن الملا
عبد الكريم المدرس جدير بكل صنوف العرفان والامتنان والتمجيد ومن حقه على
الجهات المعنية أن تقيم له سنوياً في ذكرى وفاته، أرفع الاحتفالات
والمهرجانات، وأن تطلق اسمه العزيز على المساجد ودور العلم والعبادة
والمشاريع الخيرية... تثميناً وتكريماً لهذا الرجل الجليل، وما أصدق شاعرنا
النابغ (هيمن) حينما أفاد؛ أن كل كوردي نزيه طيب، مخلص في الدين، عاشق
للأدب... إذا لم يشعر بقلبه وروحه انه مدين وممتن للملا عبد الكريم المدرس،
فانه يجانب الحق والإنصاف.
سيرته
ولد العلامة البارز الملا عبد الكريم بن محمد بن فتاح، الملقب بالمدرس
والمعروف في بغداد بالشيخ عبد الكريم بيارة، ولد في اوائل القرن المنصرم في
سنه غير معروفة بالضبط
– يرجح انها كانت بين سنتي 1902 – 1903 م بقرية
(تكية) التابعة لناحية خورمال / قضاء حلبجة / محافظة السليمانية في
كوردستان العراق، وهو من عشيرة (هوزي قازى) الكوردية الأصيلة التي تشكل احد
فروع قبيلة الجاف القاطنة في اطراف شهرزور وفي المناطق التابعة لناحيتي
(برزنجه وسيد صادق) بمحافظة السليمانية.
وقد عرفت العشيرة هذه، على دأب
سائر عشائر الجاف، بطابع حلها وترحالها السنوي بين حدود كوردستان الجنوبية
والشرقية، فكانت تنتقل إلى منطقة (مريوان) داخل الحدود الإيرانية صيفاً
طلباً للرعي والكلأ لقطعانها ثم تعود أدراجها بعد انقضاء الصيف إلى داخل
الحدود العراقية، أما الآن فأنها (ومثيلاتها) تركت الترحال واستقرت في
مشاتيها السابقة.
ذاق الملا عبد الكريم مرارة اليتم في سن مبكرة، إذ توفي والده وهو صبي
فتعهدته أمه برعايتها وادخلته الكتاتيب الدينية السائدة، فأكمل تعلم القرآن
الكريم ومبادئ الخط والكتب الأولية الفارسية. ولم يلبث أن توفيت والدته
أيضاً لتزداد حياته صعوبة وقتامة فتعهده أقرباؤه وساعدوه على مواصلة دراسته
الأولية.
وفي العام 1913 دخل مرحلة التلمذة في المدارس الدينية الموجودة
آنذاك في العديد من قرى ومدن كوردستان، وأخذ ينتقل في هذا السبيل بين بعض
من هذه القرى في منطقتي مريوان وهورامان (على جانبي الحدود)"3". وفي اوائل
الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) أنتقل إلى مدينة السليمانية طالباً
مبتدئاً حيث استقر في مدرسة جامع (ملكندي)، ثم انتقل بعدها إلى مدرسة
(الملا محمد أمين الباليكدري) في محلة (سرشقام)،
ولما أخذت المجاعة تضيق
الخناق على الناس ترك السليمانية متوجهاً إلى مدرسة خانقاه (دوروه) في
منطقة هورامان بكوردستان الشرقية، حيث خانقاه الشيخ النقشبندي الجليل علاْء
الدين بن الشيخ عمر ضياء الدين بن الشيخ عثمان سراج الدين الأول خليفة
المرشد الكبير مولانا خالد النقشبندي، وكان والد الملا عبد الكريم، صوفي
محمد من اتباع ومريدي الشيخ علاء الدين وقد سلك نهج الطريقة الصوفية
النقشبندية المباركة على يديه الكريمتين.
وكان (أي صوفي محمد) فلاحاً شبه
أمي بيد أنه كان يستطيع تلاوة القرآن الكريم ودلائل الخيرات، وقد أخذ قبل
مرض موته، ابنه عبد الكريم إلى قرية قريبة من قريتهم وأشترى له الورق
والحبر والقلم والاجزاء الاخيرة من القرآن تمهيداً لبدء تعليمه.
أستقر الملا عبد الكريم المدرس في (دوورِو) كما حضرت شقيقتاه إلى هناك أيضا
حيث تعهدهما الشيخ الفاضل علاء الدين في سنوات القحط والمجاعة إلى أن
زوجهما أخيراً إلى شخصين صالحين. وبعد فترة انتقل (أي الملا عبد الكريم)
إلى قرية (عه بابه يلي) الكائنة قرب حلبجة وأخذ يدرس هناك على مدرس مدرستها
الملا (محمد سعيد)، ومنها انتقل إلى قرية (بالك) في (مريوان) وأخذ يدرس على
عالم مدرستها الدينية الملا محمود، ومنها انتقل إلى قصبة (بياره) التي كان
قد أنتقل اليها الشيخ علاء الدين من (دوورِو)، وأخذ يدرس على مدرس مدرستها
الملا احمدي ره ش (وهو والد الروائي والقصصي المعروف عزيز ملا ره ش، القاطن
في اربيل حالياً).
غير أن العالم المذكور (الملا احمد) ترك بياره بعد حين
متوجهاً إلى السليمانية، فسار معه شيخنا الملا عبد الكريم بدوره إلى هناك
واستقر في خانقاه مولانا خالد النقشبندي يدرس على مدرسها المعروف الشيخ عمر
(الشهير بابن القرداغي) "4" إلى أن أكمل دراسته ونال الإجازة العلمية على
يديه عام 1925 وهو في اوائل العشرينات من عمره.
وقد تلقى الملا عبد الكريم
وعلى الدأب المتبع إجازته العلمية التي تلاها العلامة الشيخ محمد نجيب
القرداغي من اقارب الشيخ عمر - أبن القرداغي – في احتفال علمي ديني مهيب
بخانقاه مولانا خالد حضره عدد من العلماء الاجلاء وجمع كبير من الطلبة
والحضور.
انتقل الملا عبد الكريم بعد نيله الإجازة العلمية، إلى قرية (نه رنرگسه
جار)
في اطراف سهل شهرزور وعلى ضفاف نهر سيروان (نهر ديالى كما يسميه الاخوة
العرب) وصار إماماً لمسجدها ومدرساً لمدرستها حيث اجتمع لديه عدد من
الطلبة، وهناك تزوج للمرة الأولى في حياته "5".
في العام 1929 ترك شيخنا الملا عبد الكريم وبناء على طلب من الشيخ علاء
الدين النقشبندي، قرية (نرگسه جار) متوجهاً إلى (بياره) فاصبح خطيباً في
خانقاها ومدرسها في مدرستها العامرة بعشرات من الطلبة القادمين من مختلف
ارجاء كوردستان واحياناً من خارجها أيضا، فأخذ يدرس طلبته ويرشد المسلمين
إلى أمور دينهم ويجيب على استفساراتهم واستفتاءاتهم الدينية ويؤلف الكتب
المختلفة في المناهج الدراسية باللغتين العربية والكوردية.
ظل شيخنا الملا عبد الكريم في بياره إلى عام 1951 حيث وجد نفسه مضطراً إلى
مغادرتها (أي بياره) والانتقال إلى السليمانية فتعين مدرساً في مدرسة مسجد
(الحاج حان) وهناك واصل التدريس والتأليف حتى عام 1955 حيث وجد نفسه تارة
أخرى مضطراً إلى ترك السليمانية والانتقال إلى كركوك حيث استقر في التكية
الطالبانية القادرية "6" مواصلاً كدأبه السابق التدريس والتأليف حتى عام
1960، وعندئذ وجد من الأنسب له ترك كركوك والاستقرار في بغداد إماماً
وخطيباً في جامع الأحمدي بمنطقة الميدان.
وما لبث أن تعين بعد فترة قصيرة
مدرساً في مدرسة جامع الشيخ عبد القادر الگيلاني (قدس) وذلك خلفاً للعلامة
الملا محمد القزلجي الذي وافاه الأجل الموعود في ذلك العام. وبعد سنوات
تقاعد من الإمامة والخطابة في جامع الأحمدي ليتفرغ لمهامه في جامع
الگيلاني مدرساً وإماماً.
وبعد أن تقاعد هناك أيضا عن التدريس، استمر
يواصل مهامه الدينية والعلمية المباركة لوجه الله تعالى وفي رعاية الشيوخ
والسادة المشرفين على ذلك المكان الطاهر والذين أحاطوا شيخنا الملا عبد
الكريم بالود والتقدير واعربوا له عن رغبتهم وسعادتهم ببقائه في رحاب
الحضرة الگيلانية المقدسة ليواصل إسهاماته الوضاءة المعهودة في خدمة الدين
والعلم والتراث.
وأخيراً آثر شيخنا الملا عبد الكريم بسبب تقدم العمر به وصعوبة تنقله بين
دارهم ورحاب الحضرة الگيلانية، آثر الأقامة الدائمة في هذا المكان الاخير
والأثير على قلبه العامر بالايمان، فواظب على مهامه المباركة وهو يقاوم
المرض والشيخوخة. ولم يبرح هذا المكان إلا لفاصلة زمنية أمدها 2-3 سنوات
قضاها مؤخراً بسبب المرض الشديد بين أهله وذويه ببغداد،
بعدها عاد شيخنا
الملا عبد الكريم مجدداً إلى جوار مقام حبيبه الغوث الأعظم (الشيخ عبد
القادر الگيلاني) ليلازم حجرته الكائنة في احد جوانب هذا المكان الطاهر
مواظباً كعهده السابق وبكل ماعرف به من أدب وسماحة وبشاشة على استقبال
القادمين من مختلف مناطق كوردستان والعراق والعالم اجمع، وذلك رغم حالته
الصحية الصعبة وهو طريح الفراش في رعاية وخدمة المؤمن الصالح والجندي
المجهول، الحاج صلاح (مصري الجنسية) الذي عكف ومنذ عشرين سنة على خدمة
شيخنا وزائريه ليل نهار دون كلل أو ملل، أثابه اله خيراُ في الدنيا
والآخرة.
هكذا قضى شيخنا الجليل العلامة عبد الكريم المدرس سنواته الأخيرة وهو يقارع
بصمت وخشوع وبقلب طافح بالإيمان والنور والبشر تبعات المرض والشيخوخة
والوهن إلى أن توفي في الساعة الحادية عشرة من مساء الاثنين 29/30 آب 2005
بغرفته الخاصة بمقام الشيخ عبد القادر الگيلاني ووري جثمانه الطاهر الثرى
بعد صلاة الظهر من يوم الثلاثاء 30 آب في مقبرة الگيلاني وتحديداً في
الجانب المحاذي لشارع الكفاح إلى جانب العلامة الملا يحيى المزوري وقريباً
من مثوى الشيخ عبد الرحمن أبي الوفا النقشبندي نجل الشيخ عثمان سراج الدين
النقشبندي، رحمهم الله جميعاً واسكنهم فسيح جناته.
مشواره العلمي والفكري المتألق
:
بدأ العلامة الملا عبد الكريم المدرس مشواره العلمي والفكري المجيد في
ميدان البحث و التأليف في الثلاثينات من القرن الفائت عندما كان مقيماً في
قصبة بيارة يعمل خطيباً في خانقاها- تكيتها المهيبة ومدرساً في مدرستها
الدينية الشهيرة ، حيث أنجز تأليف العديد من المناهج الدراسية (للتلاميذ
والطلبة الكورد) باللغتين العربية والكوردية والتي أعيد طبع بعضها اكثر من
عشر مرات.
وبعد انتقاله من بيارة إلى السليمانية (مطلع عقد الخمسينات) واصل
شيخنا هناك وعلى دأبه السابق نشاطه في ميدان التدريس والبحث والتأليف،
وكذلك أثناء وجوده في التكية الطالبانية بكركوك في النصف الثاني من عقد
الخمسينات حيث أنجز شرح ديوان الشاعر الخالد (مولوي) المنظوم باللهجة
الهورامانية. كما أتم طبع عدداً من كتبه الدينية هناك أيضا وبضمنها؛ كتابه
(بارانى ره حمه ت – غيث الرحمة).
ثم جاءت فترة استقراره النهائي في بغداد
(وتحديداً في الحضرة الگيلانية المباركة) لتشكل أخصب فترات حياته عطاء
وتألقاً على صعيد البحث والتأليف، إذ أنجز هناك القسم الأعظم من مؤلفاته
الهامة ومنها؛ مجلداته الاربع في الشريعة الإسلامية حسب منهج الامام
الشافعي (رض)، بنه مالَه ي زانياران – اسرة العلماء، علماؤنا في خدمة العلم
والدين، سبعة أجزاء من تفسير القرآن الكريم (باللغة العربية) وعشرة أجزاء
مثلها باللغة الكوردية، جواهر الفتاوي - فتاوي العلماء الكورد (في ثلاثة
أجزاء) وجمعه وشرحه لبعض دواوين الشعر الكوردي، كذلك أكمل وطبع (في بغداد)
بعض مؤلفاته التي كان قد شرع بها في بيارة ثم واصل العمل فيها في
السليمانية وكركوك لاحقاً.
يبلغ العدد الكلي لمؤلفات الملا عبد الكريم المطبوعة زهاء ستين مؤلفاً (أو
اكثر) بالكوردية والعربية والفارسية، في الدين والفقه والتفسير واللغة
العربية والمنطق والتاريخ وشرح دواوين الشعر الكوردي، كما تشمل قائمة
مؤلفاته المطبوعة، الكتب المؤلفة خصيصاً لتدريسها في المدارس الدينية
(بالكوردية والعربية معظمها مطبوع وبعضها لعدة مرات)، وقد قوبل عدد من
مؤلفات شيخنا بتداول واسع حتى خارج العراق فاعيد طبعها في كوردستان إيران
وإندونيسيا وباكستان وغيرها.
وبحسب ما أورده الأستاذ مصطفى نريمان في كتاب مذكراته، فان شيخنا الملا عبد
الكريم يحتل المرتبة الأولى بين المؤلفين الكورد من حيث حجم مؤلفاته
المنشورة التي يبلغ عدد صفحاتها 15 ألف صفحة، هذا ناهيك عن كتبه المخطوطة
التي لم تطبع بعد (حوالي 15 كتاباً). ولابد من من التنويه هنا بالجهد الطيب
الذي بذله نجلا الملا عبد الكريم المدرس؛ المغفور له الأستاذ فاتح والأستاذ
محمد في إتمام وإنجاز بعض من تلك التأليف ومشاركتهما
والدهما فيها، وتحديداً في احياء وشرح وتدوين دواوين شعرية خالدة في الأدب
الكوردي.
والمتأمل لقائمة نتاجات شيخنا الملا عبد الكريم، وهي قائمة طويلة وثرية
تستحق الاعجاب والثناء حتماً، سيرى بان مؤلفاته الدينية "في العلوم
الإسلامية والتراث الإسلامي وغيرها" تشكل الشطر الاكبر من محتويات هذه
القائمة التي تضم كتباً هامة وبارزة للغاية في هذا المجال. ومع أن شيخنا
الملا عبد الكريم المدرس بذل اكثر أوقاته وجهوده في حقل التأليف في المجال
الآنف الذكر – أي المجال الديني – الذي برز فيه كواحد من أعلامه المبدعين،
إلا انه كان حريصاً في نفس الوقت على تكريس الكثير من وقته ومساعيه أيضا في
سبيل خدمة وإغناء التراث الأدبي واللغوي الكوردي وازدهاره، فوفق بعد جهود
مضنية دؤوبة في جمع وإحياء وشرح دواوين شعرية ذائعة للشعراء "نالى، مولوي،
محوى، فقى قادر الهموند، بيساراني، سالم".
ونشير هنا بشكل خاص إلى ما قام
به الملا عبد الكريم في شرح وحفظ التراث الأدبي الخالد لشاعرنا الكبير
"مولوي"، فبالإضافة إلى تقديمه وشرحه لديوانه الشعري الذائع "المنظوم
باللهجة الهورامانية" فانه فعل نفس الشيء أيضا بالنسبة لثلاثيته الشهيرة
المنظومة في علم الكلام (أي ثلاثية مولوي) وهي؛ عه قيده ي مرضية باللغة
الكوردية، الفضيلة باللغة العربية، الفوائح باللغة الفارسية.
وقد ا |