|

تسلم محمود
پاشا الجاف النجل الاكبر لمحمد
پاشا الجاف رئاسة قبيلته خلفا لوالده المغدور ، فتمكن من الاخذ
بثأره ومن ثم توطيد وتعزيز مكانه وهيبة قبيلته الجاف كثيرا والبروز من
جانبه كشخصية وطنية وقومية بارزة ومقتدرة الى حد كبير .
ولد محمود پاشا الجاف عام 1846 وقد نال منذ صغره
وفي كنف اسرته النبيلة قدرا معقولا من التعليم عند الاستاذ الملا مؤمن الذي
درسه المناهج التعليمية السائدة ، فتعلم الفارسية ونزرا من العربية ، ثم
تمكن من اتقان اللغة التركية من خلال اختلاطه بالمسؤولين الترك ، هذا اضافة
الى شغفه الكبير بالاشعار الكوردية والفارسية ومقدرته نظم الاشعار بهاتين
اللغتين .
لعب محمود پاشا الجاف دورا مهما ومشهودا في مسيرة
قبيلة الجاف وتوسيع ديرتها في عهد والده محمد پاشا
الجاف ، اذ استغل فرصة بقائه في العراق اثناء وجود والده ومعظم افراد
قبيلته في ايران (( منذ عام 1290هـ )) مستفيدا من قانون (( الطابو ))
الجديد كي يشتري مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية الخصبة وتسجيلها باسمه
اعتمادا على امكاناته الذاتية والمبالغ الي دأب والده على ارسالها اليه من
ايران لذلك الغرض .
وكانت
مقاطعة السعدية (( قزلرباط )) التي عرضت للبيع بالمزاد ، ضمن الاملاك التي
اشتراها محمود پاشا بعد ان باع من اجلها الكثير من
خيوله ومواشيه ومصوغات عائلته فدفع مقابلها مبلغا ضخما قدره عشرة الاف
وخمسمائة ليرة ذهبية وبذلك امتدت ممتلكات الجاف من مشارف حمرين الى المناطق
الحدودية المتاخمة لپنجوين
شمالا .
وعندما اغتيل والده كما اسلفنا ، حرص محمود پاشا
على ادامة نهجه (( أي نهج والده )) القويم ، في الحياة فظل وريثا مخلصا
لتطلعاته القومية وطموحاته الشخصية الواسعة وسجاياه القبلية الاصيلة ، وقد
حرص العثمانيون الذين سلموه مسؤوليات والده الادارية والقبلية ومنحوه لقب
الپاشا على استمالته وكسب وده اليهم ، كما منحه
الشاه القاجاري مظفر الدين شاه لاحقا لقب الخان الرفيع وسيفا مرصعا ثمينا
في (( 22 شعبان 1320هـ )) .

فرمان ، إهداء سيف مرصع
من درجة أولى للياقة والشجاعة والدراية وهذا أرفع وسام إيرانى يهدى الى قائد
من قبل مظفر الدين شاه قاجار
ولعل ما اشار اليه باسيل نيكيتين من ان محمود پاشا
الجاف رئيس قبيلة الجاف له من الامكانية والقدرة ما يتيح له ان يجمع خلال
ساعات معدودة اربعة الاف مقاتل من افراد قبيلته
(( باسيل نيكيتين : الاكراد ص167-169 )) وماذكره ميرزا محمود خان ، احتشام
السلطنة في مذكراته (( تاريخ مردوخ ج2 ، ص 230)) ،
من ان
محمود پاشا الجاف على رأس خمسة الاف اسرة مسلحة
وبانه لايخضع للسلطة العثمانية ولا للسلطة القاجارية وايضا ما افاد به
الحاج توفيق پيره ميرد
من ان محمود پاشا كان من العظمة بحيث يرسل له والى
الى كرمانشاه الحطب والوقود الى (( قلعة شيروانة )) و(( كاني
چقل )) مركز اقامته (( جريدة زيان ، العدد 499 ،
السنة 1936 )) ، لهو خير دليل على ماكان يتمتع به هذا
الپاشا الفذ من نفوذ واقتدار فلم يكن غريبا ان تحاول الدولتان
القاجارية والعثمانية على استمالته وكسب قبيلته الى جانبهما .
غير ان محمود پاشا المتذمر من سياسات الترك والفرس
معا تجاه شعبه وقبيلته لم يثق بهؤلاء قط بل شرع بتنظيم قوة مسلحة كبيرة من
قبيلته البالغة آنذاك 15 ألف اسرة رحالة ، فاثارذلك ريبة وقلق العثمانيين
وخاصة عقب تزايد التقارير المغرضة التي رفعها خصوم محمود
پاشا عنه الى السلطات العثمانية .
لقد ذكر محمد امين زكي بكَ المؤرخ الكوردي المعروف ان محمود
پاشا الجاف اتهم اخيرا بنزعته القومية التي جعلت
الدولة العثمانية ترتاب في نواياه (( مشاهير الكورد وكوردستان ج2 ، ص 181 ،
بغداد 1947 )) .وقد اثبتت الاحداث فعلا صدق هذا الارتياب .
كما وقفت قبيلة الجاف بزعامة محمود پاشا الجاف ضد
تشكيل فرسان الحميدية (( نسبة الى السلطان عبد
الحميد )) وخلقت حالة من الفوضى والاضطراب على الحدود الايرانية العثمانية
واقلقت الدولتين لفترة زمنية ، اضف الى ذلك ما كان بين محمود
پاشا والدولة العثمانية من عدم صفاء على الدوام ((
كيشه ى كورد ، م. لازاريف ، ترجمة د. كاوس قفطان ، ص 118 سنة 1989 )) .
وبغية الحد من طموحاته ومساعيه المعادية ضدهم ودرء مخاطره المحدقة بمصالحهم
في المنطقة قرر المسؤولون العثمانيون احتوائه وايقافه عند حده ، فارتات
الاستانة اولا ارسال موفدها اليه (( الفريق نامق پاشا
)) للتاكد من حقيقة موقفه عن قرب والتحقق من التقارير المرفوعة عنه ، فقوبل
الضيف ببرود ظاهر في دار محمود باشا (( في حلبجة )) ،
ثم ازداد
الجفاء أكثر بين الضيف والمضيف عندما اعلن الاول من استيائه من قيام
السلطان عبد الحميد بشراء مساحة شاسعة من اراضي شهرزور وتسجيلها باسمه ،
معتبرا ان عملا كهذا لايليق بالسلطان فضلا عن انه يلحق افدح الاضرار بمصالح
الجاف . وما ان غادر نامق پاشا
دار محمود پاشا حتى استقبل في دار عثمان
پاشا شقيق محمود پاشا بالود
والاحترام .
بعدما عاد نامق پاشا الى اسطنبول كتب تقريرا شديد
التحامل على محمود پاشا الجاف ، مشيرا فيه الى انه
جعل نفسه في مصاف السلطان عبد الحميد ويضمر السوء والشر له ويتعاون مع
اعدائه وهو ضد الامن والاستقرار ، واصبح مضيفه وكرا لجميع الكورد المناوئين
للسلطان .
فقرر السلطان عام 1889 م ابعاده عن منطقة نفوذه بشكل لايثير أي اشكال اذ
عينه بموجب فرمان سلطاني متصرفا لمحافظة (( اورفه )) التركية ومنحه لقب
بگلربگ الرفيع (( منح هذا اللقب في العراق لاربعة
اشخاص فقط هم : احمد پاشا بابان ، عبد القادر
پاشا دياربكري ، محمود پاشا
الجاف ، ابراهيم پاشا مسؤول الاراضي السنية )) ،
كما عين شقيقه عثمان پاشا قائممقاما لحلبجة ورئيسا
للجاف خلفا له .
لم يرض محمود پاشا (( كما كان متوقعا )) بمنصبه
الجديد والابتعاد عن مضارب قومه ، فقصد السلطان بهدف اقناعه بالعدول عن
قراره لكن الاخير فرض عليه الاقامة الجبيرة في اسطنبول ، فازداد محمود
پاشا سخطا وتذمرا منه وشرع يتصل بالتنظيمات السرية
المعادية للسلطان التي ضمت نخبة من المثقفين الكورد والترك وبضمنهم الشيخ
عبد الله النهري .
افلح محود پاشا في الهرب من اسطنبول بصحبة تابعه
الملا حمدي سنه يي على متن احدى السفن عبر البحر الاسود عام 1892 م ، بعد
ان ترك خلفه في البريد رسالة موجهة الى السلطان ضمت اقسى واقذع العبارات ،
ثم وصل وتابعه الى القفقاز فباكو في شهر تشرين الاول 1892 حيث تنكر في زي
متسول واخذ صورة شخصية بهذه الهيئة كتب في حواشيها بالفارسية موجهة الى
اهله في كوردستان العراق .

محمود پاشا الجاف فى
طريقه من إسطنبول الى كردستان عراق متنكراً بزى متسول فى باكو – تشرين
الأول – 1892 م
ثم راسل قيصر روسيا طالبا مساعدته بشأن اشعال نار الثورة ضد الوجود التركي
في كوردستان ، لكن مسعاه خاب في خضم الاوضاع الداخلية المتردية السائدة في
روسيا القيصرية ، فقرر العودة صوب الوطن فورا .
اجتاز الپاشا بحر الخزر (( بحر قزوين )) ثم جاب
الاراضي الايرانية نحو حدود پنجوين حيث قوبل
بالترحاب والحفاوة من قبل اهله وقومه ، وفي تلك الاثناء أوعز السلطان عبد
الحميد بتجريده من جميع القابه وامتيازاته وامر ولاته بوجوب ملاحقته
وارساله اليه حيا او ميتا .
عقد محمود پاشا ، بعد وصوله ارض الوطن بفترة وجيزة
، مؤتمرا موسعا لرؤساء ووجهاء المنطقة عند نهر زه لم ، كرس لمناهضة الحكم
العثماني واقرار نوع من الاستقلال للكورد فاثار ذلك مخاوف السلطان كثيرا
مما دفعه الى الاهتمام بالموضوع شخصيا عازما على القضاء عليه باية وسيلة
ممكنة للخلاص من تمرده ونشاطاته المعادية ،
فانطلقت في
اعقابه وبامر السلطان قوة قوامها الف فارس مما اضطره الى الاحتماء بجبال
زمناكو وشميران والتنقل عبر شهرزور ولعدة اشهر ، مفوتا على مطارديه فرصة
القاء القبض عليه مرارا ، رغم الصعوبات التي لاقاها مع اتباعه القليلين
الذين بقوا معه .
وعندما بدات الوساطات لدى السلطان بقصد الصفح عنه رد بالقول القاطع ، لقد
اقسمت على شنق محمود وسط اسطنبول ، لانه ارتكب بحقي خطيئة لا تغتفر لكن
الحاح المقربين عليه بهذا الشأن جعله يعدل عن موقفه المتشدد ، فاعرب اخيرا
عن استعداده للصفح عن محمود پاشا شريطة حضوره اليه
في اسطنبول وهذا ما تحقق فعلا ، فامر السلطان باعادة القابه وامتيازاته
ورئاسة الجاف اليه مجددا ، بينما ظل شقيقه عثمان پاشا
محتفظا بمنصب قائممقام حلبجة .
كذلك سلك محمود پاشا موقفا ضد الاتحاديين الترك
فيما بعد ، لكن هذا لم يمنعه من مساعدتهم ضد الانكليز في العراق (( وتحديدا
اثناء معركة الشعبية عام 1915 )) وذلك بدعوى الجهاد ضد الكفار ، وكذلك ساعد
الترك ضد الروس في معركة قاتان قوري في منطقة سقز .
وبعدما بسط الانكليز سيطرتهم على العراق وانطلاقا من سياستهم الهادفة لكسب
رؤساء العشائر العراقية عامة والكوردية خاصة الى جانبهم توجه الميجر نوئل ،
الحاكم السياسي الانكليزي في السليمانية لزيارة محمود پاشا
الجاف في منطقة (( زه لم )) ليطلب منه العون للقوات الانكليزية ، ولما علم
محمود پاشا بمجيئه لم يخرج لاستقباله ، بل لبس زي
الباشاوية العثماني وبقى في خيمته ينتظر قدومه . وعندما رآه الميجر نوئل
بهذه الهيئة ادى له التحية العسكرية ولم يجلس حتى طلب منه
الپاشا الجلوس ، ودار بينهما الحوار الآتي : -
الميجر نوئيل - هل يعلم محمودباشا سبب مجيئنا اليه ؟
محمود پاشا - لا علم لي بذلك ، حتى لو كنت اعلم ،
فارجو ان اسمع شخصيا منكم .
الميجر نوئيل - ان الحكومة الانكليزية تنوي خدمة منطقة كوردستان ومستعدة
لمساعدة الشعب الكوردي وانقاذه من مظالم العثمانيين ، فتأمل الحكومة من
الشخصيات والزعماء الاكراد من امثالكم معونتها وشد ازرها في هذه المهمة ،
فما ردكم ؟
محمود پاشا : سيكون ردي
بالنفي القاطع للاسباب التالية :
أولا : ان اعتقادي ضعيف بصحة نواياكم تجاه الكورد ، واذا كان هدفكم خدمة
الكورد وانقاذهم من المظالم كما تدعون ، فكونوا على ثقة انه حتى ان لم اكن
معكم فهناك مئات من امثالي سيساعدونكم وستتكلل مساعيكم بالنجاح حتما .
اما السبب الثاني : فاني مسلم وديني لايسمح لي بالتعاون معكم ضد اخواني في
الدين .
اما السبب الثالث : فهو شيخوختي وعجزي وعدم امكاني التحرك والنشاط .
بعد هذه المقابلة بدا الانكليز بالضغط على محمود پاشا
وشل حركته وفرض رسوم باهظة على افراد عشائره فلم يتمكن هو من مناوئتهم
والتحرك ضدهم وذلك لشيخوخته ومرضه من جهة ، وسيطرة الانكليز على الموقف
السياسي والعسكري في كوردستان العراق من جهة اخرى ، فقرر في تلك الظروف
الاعتزال من رئاسة الجاف (( عام 1919 )) فآلت لابنه علي بگ
الذي سرعان ما تركها لتؤول الى ابن عمه كريم بگ
الجاف .

|